كواليس اللقاء بين “السيد” و”الشيخ”
كتب عماد مرمل في الجمهورية :
على وَقع المواجهة المستمرة مع العدو الاسرائيلي في غزة والجنوب، عُقد قبل أيام لقاء لافت للانتباه بين الامين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله والامين العام للجماعة الإسلامية الشيخ محمد طقوش في حضور عضو المجلس السياسي للحزب الشيخ عبد المجيد عمار، فما دلالات هذا اللقاء ونتائجه؟
منذ بدء العدوان الاسرائيلي على غزة وانخراط «حزب الله» في معركة إسنادها عبر الجنوب، حققت العلاقة بين الحزب والجماعة قفزة نوعية، خصوصاً بعدما أصبحا شريكين في خوض المعركة وتسديد أثمانها، كلٌ وفق حجمه وقدراته.
وبناء عليه، فإنّ تحديات التصدي للعدو المشترك اختصرت الكثير من المسافات والمراحل على مستوى علاقة الطرفين، وأعطت قوة دفع استثنائية لها في لحظة تستدعي تجميع القوى في مواجهة الكيان الاسرائيلي الذي لا يميّز بين أهدافه، كما يُستدل من عملياته ضد كوادر وعناصر الحزب والجماعة على حدّ سواء.
وليس خافياً انّ عودة الحرارة والحيوية الى خطوط التواصل والتفاعل، بعد جفاء وجفاف في حقبة الاصطفاف المذهبي الحاد، من شأنها ان تترك انعكاسات ايجابية على الواقع السني – الشيعي بمجمله، ليس فقط في لبنان وإنما أبعد منه، ربطاً بما يمثّله كل من التنظيمين في بيئته المحلية والاقليمية.
واذا كانت المعركة مع العدو الاسرائيلي قد شكّلت حافزاً لمزيد من التقارب بين التنظيمين، الا انّ إعادة وَصل ما انقطع بدأت منذ فترة غير قصيرة، حيث تؤكد المعلومات انّ اجتماعين بعيدين من الاضواء عُقدا بين امين عام الحزب السيد حسن نصرالله والأمين العام السابق للجماعة عزام الأيوبي قبل اندلاع الحرب، وتمّ خلالهما التأسيس لمرحلة جديدة من التعاون الثنائي.
وبهذا المعنى، فإنّ الشيخ طقوش استكمل عبر اللقاء مع السيد نصرالله ما كان قد بدأه الأيوبي والامين العام للحزب، إضافة إلى انّ الوقائع الميدانية والاحتمالات المستقبلية على الجبهة اللبنانية استدعت في هذا التوقيت تفعيل التنسيق في ساحة باتت مشتركة.
وتوضِح أوساط قريبة من الحزب انّ الاجتماع الأخير صَبّ في مصلحة تحصين المقاومة عبر تعزيز مشاركة كل الشرائح في مواجهة العدو، والتصدي للتحديات التي تواجه وحدة الامة خصوصاً تلك الناتجة عن استهدافات محور الشر المتمثّل في اميركا واسرائيل، ودعم المقاومة والشعب في فلسطين من خلال جبهة الاسناد في لبنان وكافة الساحات».
وتلفت الاوساط الى انه «من الطبيعي انّ هذا المسار سيأخذ طابعا تنسيقيا دائما في مختلف المجالات بين الحزب والجماعة»، كاشفة انّ السيد نصرالله والشيخ طقوش اتفقا على اعتماد آليات محددة للمتابعة وتعزيز التنسيق المشترك على المستويات كافة.
وأشارت الاوساط القريبة من الحزب الى انه «تم التطرق أيضا الى الوضع الداخلي وجرى تأكيد ضرورة العمل دائماً لتعزيز الوحدة ببُعديها الوطني والإسلامي، ومنع كل ما من شأنه بَث الإثارات المذهبية والفتنوية، ومقاربة التطورات من خلال بوابة المقاومة ومصلحتها حصراً.
وتشدد الاوساط على أنّ «اللقاء كان ايجابيا جدا ويمكن البناء عليه لإزالة كل عقبات تطوير العلاقة الثنائية ووضع النقاط الخلافية جانبا»، موضِحة بأنّ السيد والشيخ اتفقا على أن لا رجوع الى الوراء، ليس في هذه المرحلة فقط بل حتى بعد انتهاء الحرب.
هذا التحوّل في سلوك الجامعة العربية حيال «حزب الله»، بعد سنوات من العداء والقطيعة، حرّض على طرح مجموعة من الأسئلة حول الدوافع والأهداف والمنطلقات والتوقيت، وسط حيرة وذهول اصابا خصوم الحزب في لبنان، ممن كانوا يفترضون انّ ما بينه وبين النظام الرسمي العربي يستعصي على اي احتواء، علماً انّ هؤلاء يقدّمون أنفسهم على أساس انّهم الحلفاء الطبيعيون لهذا النظام والمتماهون مع خياراته وسياساته، فإذا بهم شعروا فجأة كـ»الزوج المخدوع» الذي لا يعلم ما الذي يدور حوله.
ad
بالتأكيد، لا تصح المبالغة في تفسير أبعاد خطوة الجامعة وتحميلها ما لا تحتمله، لكن من شأنها على الاقل ان تساهم في إعادة مدّ جسور الحوار وتنظيم الخلاف مع الحزب، بعدما أثبتت سياسة «العزل» خلال السنوات الماضية انّها غير مجدية.
ويبدو انّ العرب أجادوا هذه المرّة قراءة الوقائع وموازين القوى في الإقليم، وتعاملوا معها ببراغماتية وواقعية، بعيداً من المكابرة التي طبعت مقاربات جزء منهم لملفات المنطقة وللمحور الآخر فيها، والذي يشكّل «حزب الله» رأس حربته.
ووفق تقديرات المطّلعين واستنتاجاتهم، فإنّ انفتاح الجامعة على الحزب، يوحي أنّ العرب يأخذون في الاعتبار حيوية الدور الاقليمي لأمينه العام السيد حسن نصرالله، الذي له تأثير على حركة «حماس» و»الحوثيين» والعراقيين والسوريين وحتى الإيرانيين، ربطاً بكونه صاحب وزن ثقيل في هذا المحور.
وبالنسبة إلى السياق الذي اندرجت ضمنه «مبادرة» الجامعة العربية اللافتة نحو «حزب الله»، يؤكّد العارفون انّ الأمانة العامة للجامعة لا تعمل من دون رعاية مصر او مظلتها، وبالتالي فإنّ اعلان أمينها العام المساعد حسام زكي من بيروت عن إلغاء توصيف «الحزب» بأنّه ارهابي، لا يمكن أن يتمّ من دون مباركة القاهرة وتغطيتها.
ويلفت هؤلاء إلى انّ العلاقة بين مصر و«الحزب» تحسنت كثيراً في الآونة الاخيرة، وهذا ما عكسته زيارة السفير المصري في بيروت لرئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد ضمن إطار التشاور الرئاسي.
صحيحٌ، انّ الحزب والقاهرة يختلفان في شأن مسائل عدة، من بينها النظرة إلى حركة «حماس»، لكن ذلك لا ينفي انّ هناك في المقابل تقاطعات حول قضايا عدة، أهمها في هذه المرحلة انّ كلاهما يرفض اي محاولة لتهجير الفلسطينيين من غزة الى مصر أو غيرها، وبالتالي فإنّ القاهرة تجد على المستوى الاستراتيجي انّ المعركة التي يخوضها الحزب إسناداً لغزة، انما تصبّ في خانة مواجهة مشروع التهجير.
كذلك، لا يمكن تجاهل تأثير التحسن المتزايد في العلاقات المصرية ـ الإيرانية على قرار الجامعة العربية بالعدول عن وسم الحزب بالارهاب.
وخلال اللقاء الذي جمع زكي مع رعد في الضاحية الجنوبية، أكّد الأول للثاني، وفق المطلعين، التقدير الكبير للدور الذي تؤديه المقاومة على جبهة الجنوب دعماً لغزة، مؤكّداً الوقوف إلى جانب لبنان في مواجهة اي عدوان إسرائيلي واسع.
وضمن المقدّمات التمهيدية لموقف الجامعة الجديد من الحزب، يتوقف العارفون أيضاً عند التطور الايجابي المستجد على العلاقات الإيرانية ـ البحرينية ومبادرة المنامة اخيراً الى إطلاق نحو 1000 معتقل شيعي، كإشارة حسن نية من قبلها.
ولا يستبعد هؤلاء أن تلجأ دول عربية كانت توجد بينها وبين الحزب عداوة او خصومة، الى استئناف التواصل معه لاحقاً، في شكل او بآخر، كالسعودية والاردن، علماً انّه سبق لمسؤول وحدة التنسيق والارتباط في الحزب وفيق صفا أن زار دولة الإمارات العربية المتحدة قبل فترة قصيرة.
على أنّ ضخ الحرارة مجدداً في «سلك» الجامعة ـ الحزب لا ينفصل أيضاً عن دينامية الاتفاق الإيراني – السعودي الذي لا يزال صامداً، وعن استئناف عدد من الدول الخليجية علاقاتها الديبلوماسية بدمشق.
أما «حزب الله»، فقد تلقف قرار الجامعة بإيجابية، على قاعدة «هم خاصمونا وهم صالحونا»، وهو يأمل في أن ينعكس هذا المسار إيجاباً على ظروف الشيعة اللبنانيين في الدول العربية عموماً والخليجية خصوصاً.
