المطاحن المائية في لبنان./ البروفسور أحمد الحاج.
لدى زيارتي لموقع “أم العِمَد” في الناقورة (مدينة أثرية ضخمة ومجهولة عند اغلب اللبنانيين، تعود الى الحقبة الفينيقية والى الاسكندر المقدوني) أثار فضولي حجم أقنية المياه المستخدمة في مطاحن الزيتون والحنطة. وضعت نموذجًا حسابيًّا يجمع بين كمية المياه الضرورية لتحريك الوزن المناسب لحجر الرحى.
تطبيقًا للنموذج وبعد السؤال والبحث تبين ان مطحنة “مطر” في السويسة (عكار) ما زالت تعمل على مياه نهر الأسطوان فأشركت بزيارتي للمطحنة طلابي في الجامعة اللبنانية كي ندرس على واقع الأرض قوة المياه في عملها.
تبين أن العديد من تلك المطاحن تعود بنشأتها الى الحقبة العثمانية، تحديدًا الى بدايات القرن 18 وهذا ما شاهدناه تقنيًّا في بلدة فنيدق. ما تتميز به تلك المطاحن أن المياه تعبأ في خزانات مرتفعة وفي اسفلها تعمل فتحة الضخ على تحريك دولاب أفقي حديدي (ذو فراشات عديدة) والموصول مباشرة الى غرفة أعلى يتواجد فيها دولاب الرحى البازلتي الذي بدوره يقوم بطحن الحبوب.
درست المبدأ العام للهيدروليكا والدينامية العامة للمطحنة ورسمت مقطعًا تفصيليّا لها (موجود في الرابط المرفق) ووضعت تمرينًا تطبيقيًّا لمن يرغب في الغوص بالموضوع.
أهم ما لفتني هي التعديلات التي قام بها العثمانيون كاستخدام خشب الدلب (استقدموه من مدينة بورصة التركية وزرعوه في لبنان) بدل السنديان والأرز ليس لقساوته بل لثبات حجمه خلال فترة توقف المطحنة ومقاومته للأحتكاك فهو بطيء الأحتراق. كما تم استخدام الحديد المُبشّم والمُصنّع في أسواق طرابلس القديمة والنحاس في نقاط تركيز الدوران لأنه لا يصدأ ولكنه ناقل للحرارة عند الأحتكاك لذلك تعمل المياه المتدفقة على تبريده. أما حجارة الرحى فكانت تُستورد على ضهور الجمال تحديدًا من بلدة عفرين السورية. كما ان هناك بعض الكلمات التي تخص الموضوع على أمل ان لا تنقرض يوما ما : حجر قطلبي، عالول، فرس، خنزيرة، نقط، مربط …
حبذا لو بادرت كل من وزارة الثقافة والسفارات والمنظمات غير الحكومية (التي تبذر الأموال على منتفعيها) الى ترميم وتفعيل ما تبقى من تلك المطاحن المائية اقله حفاظا على البيئة وخفض التلوث واخيرا لما تمثل من ذاكرة اجتماعية وارث وطني.
ملاحظة: تم نشر المقالة في عدد اليوم من Orien’t Le jour
Les moulins à eau du Liban : un patrimoine menacé et une histoire en voie de disparition:
https://www.lorientlejour.com/article/1419827/les-moulins-a-eau-du-liban-un-patrimoine-menace-et-une-histoire-en-voie-de-disparition.html
