حين تعود الأرض إلى أهلها: ما الذي تكشفه الهدنة في جنوب لبنان؟/ حوراء غندور
مع دخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس، بدا المشهد في جنوب لبنان خارجًا عن كل الحسابات السياسية التقليدية. لم ينتظر كثير من الأهالي تقارير ميدانية تؤكد استقرار الوضع، ولم يلتزموا بمناشدات التريّث التي صدرت عن الثنائي الشيعي. بل فعلوا ما يبدو، للوهلة الأولى، غير مفهوم في منطق الحروب: عادوا.
عادوا إلى قرى متضرّرة، إلى منازل مهدّمة جزئيًا أو كليًا، إلى طرق لا تزال محفوفة بالمخاطر. عادوا بينما لا يزال الخطر قائمًا، ولو بدرجات متفاوتة. هذه العودة لم تكن مدفوعة بضمانات، ولا بقرارات رسمية، بل بدافع أعمق: ارتباط وجودي بالأرض، يتجاوز الحسابات الآنية للأمن والسلامة.
في المقابل، وعلى الجهة الأخرى من الحدود، لا يزال العديد من سكان شمال إسرائيل يتريثون في العودة إلى بلداتهم، في انتظار ضمانات أمنية أوضح. هذا التباين في السلوك لا يمكن قراءته فقط من زاوية الخوف أو الشجاعة، بل يعكس اختلافًا في طبيعة العلاقة مع المكان نفسه.
في جنوب لبنان، الأرض ليست مجرد موقع جغرافي يمكن مغادرته والعودة إليه وفق الظروف. هي امتداد للهوية، للتاريخ الشخصي والجماعي، لذاكرة العائلة، ولإحساس عميق بالانتماء. العودة، في هذا السياق، ليست قرارًا عقلانيًا بحتًا، بل استجابة شبه غريزية لاستعادة الذات.
أما في المقابل، حيث يُشترط الأمان الكامل قبل العودة، فتبدو العلاقة مع المكان مشروطة بدرجة الاستقرار التي يوفرها. حين يختل هذا الاستقرار، تتراجع الأولوية للسلامة الفردية، ويصبح الانتظار خيارًا منطقيًا.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا أوسع من حدود الجغرافيا والسياسة: ما الذي يجعل الإنسان متمسكًا بأرضه إلى هذا الحد، حتى في غياب أبسط شروط الأمان؟ وما الذي يجعل آخرين يؤجلون العودة حتى تتوافر هذه الشروط؟
قد لا يكون الجواب في المقارنة المباشرة، بل في فهم السياقات المختلفة التي تشكّل علاقة الإنسان بالمكان. لكن ما هو واضح أن مشهد العودة في الجنوب اللبناني، رغم كل المخاطر، يكشف عن معنى عميق للانتماء، يصعب تفسيره بلغة الأرقام أو الحسابات.
في النهاية، لا تبدو هذه العودة مجرد خطوة بعد هدنة، بل تعبيرًا عن حقيقة أعمق: أن العلاقة بين الإنسان وأرضه، حين تكون متجذّرة، لا تُحكم فقط بمنطق الأمان… بل بمنطق الوجود نفسه.
