اميركا الفكر الاستعماري وحجة ارض الميعاد !!! غنى شريف / الجزء الثالث

كاتبة وباحثة سياسية
من بعد شرح تاريخها الطويل بالقتل و غزو الدول و نهب ثروات الدول و نشر الحروب و زرع الفتن بين الدول وارتكاب المجازر ، يتبين لنا ان اميركا , هي ام الحروب , وهي من تسعر نارها ، ومن ورائها بريطانيا، انهم متأصلين بالفكر الاستعمار ي و اغتصاب الاراضي ، و قتل السكان الاصليين ،
عندما أسسوا أول مستعمرة فيما صار يُعرف اليوم في الولايات المتحدة بإنجلترا الجديدة، الأصل الأسطوري لكل التاريخ الأميركي , لا يزال ، كل بيت أميركي يحتفل سنويا في عيد الشكر (Thanksgiving) بتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم فرعون البريطاني و(خروجهم) من أرضه، و(تيههم) في البحر، و(عهدهم) الذي أبرموه على ظهر سفينتهم مع يهوذه، ووصولهم في النهاية إلى (أرض كنعان).
كل تصورات العبرانيين القدامى ومفاهيمهم عن السماء والأرض والحياة والتاريخ زرعها هؤلاء المستعمرون الإنجليز في أميركا التي أطلقوا عليها اسم “أرض الميعاد” و”صهيون” و”إسرائيل الله الجديدة” وغير ذلك من التسميات التي أطلقها العبرانيون القدامى على أرض فلسطين ، فكان وعد بلفور الذي قضى باحتلال فلسطين تحت مسمى دولة اسرائيلية ، و ما هو الا حجة لانشاء قاعدة عسكرية اميركية بريطانية ، وبوابة دخول الى كل الدول العربية و الشرق الاوسط لاحتلاله وصنع الشرق الاوسط الجديد، الذي تحدث عنه كل وزراء خارجية اميركا ، الا انهم ورغم كل الانظمة العربية المتخاذلة و المطبعة ، و كل الحروب ، و نشر الفتن ، وزرع الكراهية بين شعوب المنطقة ، اصطدمت بمحور المقاومة ، الذي يتمتع بصلابة قوية ، و فكر قومي ، و عقائدي ديني ، متجذر بالارض و الهوية و الدين ، فكان لها بالمرصاد .
ببقى لنا ان نسال ؟ هل اميركا ملتزمة تطبيق قيم الحرية والعدالة ونبذ العنف ؟ هل التزم الأميركيون فعلا بهذه القيم مع الهنود الحمر حتى يلتزموا فيها مع الشعوب الاخرى ؟!هل ستغير أميركا فكرها الاستعماري و الرغبة في التوسع والهيمنة واخضاع الدول لسيطرتها العسكرية و الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية ؟
عندما يُذكر لفظ “الإبادات الجماعية” في المدارس الأميركية، ينصرف ذهن الأميركيين إلى محرقة الهولوكست، أو إلى مذابح الأرمن، أو السوفيت، أو البوسنة والهرسك، لكن لا يتم التفكير أبدا في المذابح التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأميركية ، منذ تأسيسها ، في الجزئين السابقين كتبنا عن كل المجازر والحروب ولا سيما الابادات ، التي ارتكبتها وفصلناها .
هذه الإبادات ، لم تكن عشوائية أو محض مصادفة، وإنما كانت عملية مقصودة خُطّط لها ، فهم أكثر القوى الاستعمارية ممارسة للإبادات الجماعية، اهدافهم في العالم الجديد ، و الكثير من المناطق التي يجتاحونها، هو إفراغ الأرض من أهلها وتملّكها، ووضع اليد على ثرواتها، لتتبيّن أكذوبة بناء الولايات المتحدة الأميركية على قيم الحرية والعدالة والمساواة، فالحقيقة أن الدولة الأميركية بدأت أولى خطواتها بأقسى أنواع الإرهاب وأبادت الملايين ، من السكان الأصليين للبلاد وارتكبت ، بحقهم أبشع المجازر ، وأذاقتهم انواع التعذيب والمعاناة، ثم بعد ذلك كله كتموا المذابح وأخفوا الحقيقة التاريخية عن الجماهير، لتبقى صورة الهنود الحمر هي ذاك الرجل البدائي الذي لا يفقه شيئا من الحياة، ليستمر الإجرام الأميركي بحق هؤلاء الناس حتى اليوم.
اليوم ، حكومة الولايات المتحدة الأميركية ، تقوم بدعم إسرائيل ( قاعدتها العسكرية في الشرق الاوسط ) التي ترتكب المذابح في حق الشعب الفلسطيني وتسرق أرضه، فالمبررات التي يعتمد عليها الكيان الصهيوني هي المبررات نفسها التي استخدمها المهاجرون الإنجليز من قبل في سرقة أرض السكان الأصليين لأميركا واستباحتهم وإبادتهم، ولربما لو فهمنا قصة السكان الأصليين لأميركا، وكيف تعاملوا مع الاحتلال الإنجليزي نستطيع أن نتعلم منها طرقا فعالة للتعامل مع الصهاينه،
من خلال بحث ماهية اميركا وتاريخها الاسود ، يتبين لنا أن مرحلة الاستعمار القديم ،ما زالت مستمرة حتى عصرنا الحالي ،حتى ولو اختلفت في أساليب هيمنتها ونفوذها في الوطن العربي، إلا أنها في جوهرها ظلت قائمة على الرغبة في التوسع وإخضاع المستعمرات لسيطرتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، و منظومة الاستعمار لدول عربية عديدة ، لم تكن تنشط أو تتحرك من فراغ، وإنما كانت قائمة على عوامل مرتبطة ببعضها البعض، فرضتها ظروف وسياقات عديدة مر بها العالم من ضمنها الحروب العالمية الأولى والثانية. وما زالت شواهد هذا الاستعمار ظاهرة للعيان، هناك بعض أوجه التشابه فيما بين السياسات الاستعمارية المختلفة، من خلال اتباعها مبدأ إغراء الزعامات السياسية والقبلية، او دعمها لهم بالأموال أو منح المناصب وبعض الامتيازات، طالما أن هذه الزعامات لا تشكل لها تهديد ، وبعضها اعتمد على انشاء قطاعات اقتصادية وتنموية، لتسيير شؤونها الإدارية في المستعمرات ، هذه اساليب تميل أكثر إلى أسلوب المهادنة والمرونة والتقرب من المجتمعات المحلية، ودعمهم بالمال ،لكسب الولاء، و من خلال سياسة استعمال العنف والقوة الجبرية احيانا ، ووجه اخر ظهر في سياسة التأثير الثقافي، في المجتمعات المحلية، من خلال نشر اللغة والتعليم، خصوصاً ان المستعمر يكون لديه تحيز مفرط لثقافته ولغته ، و حسب بعض النظريات، بأن هذا الاسلوب
يمكن أن يُحدث تأثير كبير على مجتمعاتها المحلية.
ويبقى لنا ان نسال مجتماعتنا و شعوبنا و شعوب العالم اجمع انه عند مشاهدة المجازر و الابادة التي تقوم بها اسرائيل ( القاعدة الاميركية في الشرق الاوسط ) بحق المدنيين الفلسطينيين ، وخاصة بالأطفال والنساء، الا يشعرون بما يجري في فلسطين؟ هل هناك ادنى شك ان اميركا هي ام الحروب خاصة انها صاحبة اكبر عدد فيتو قامت به ضد وقف اطلاق النار في غزة منذ اندلاع هذه الحرب ، وان اسرائيل وأميركا ، دول ، لا تعيش إلا على الحروب التدميرية وإبادة الشعوب الأصلية، هذا جعل الشعوب والأمم تستفيق من غيبوبتها التي ضاقت ذرعا بالنموذج الأنكلو- ساكسوني وقيادته المتوحشة.
انكشفت أميركا وحلفاؤها واظهرت وعجزها ، وقلة قدرتها على تحمل خسائر الحروب ، والتأثير وانهيار هيبتها ، فلم تفدها استعراضات القوة والعضلات الأساطيل ، هذا كله ظهر عندما اعلن بايدن ، لإسرائيل والعالم ، بان أميركا لن تقاتل مع إسرائيل ولو دخل حزب الله والمحور الحرب.
نهضة شعوب العالم ، وتظاهر الملايين وهي تهتف ، لتحرير فلسطين ، في العالم ، في اوروبا وأميركا وفي الكونغرس ، لإدانة إسرائيل والادارة الأميركية.
ماذا بعد؟
الحرب على عتبة تحول كبير؛ اعظم التحولات النوعية هي تأسيس عالم عربي جديد ، ومعالم اقليمية جديدة ،
فما يجري في هذه الحرب حاليا ، هو الاهم والاكثر نوعية من سوابقها وقد تجسدت نتائجها ، كاهم من اي حرب اقليمية او شاملة ، و من الواضح ان المحور ارادها جولات في استراتيجيته ، وحرب طويلة الامد لتحرير فلسطين بالجولات. و ما يحصل يبشر ، على اقتراب نهاية هذا الكيان ، حتى ولو كان الثمن غاليا ، لكن بالمحصلة النصر سيكون مدويا و سيغير سياسة العالم اجمع وانظمة كثيرة ستسقط لترتفع عدالة الحق في وجه الباطل و ستنتصر دماء الشهداء وتخلد ، لتحيى ملايين الشعوب المستضعفة ، و ستبقى شعوب العالم اجمع مدينة لتضحياتهم ودمائهم الذكية .
