الليلة أيها اللبنانيون ليست ككل ليلة!/ د. علي القزويني الحُسَيني
كلما ازداد عهر نتنياهو ليفجر كَبتَه فينا، كلما ازداد الدمار في البشر والحجر. مدنٌ تُدمّر، تاريخية، أثرية كانت، أم لم تكن، فلبنان ومدنه كلها تروي لك تاريخ الحضارات كل الحضارات وصراعاتها وها هي اليوم مجدداً تشهد على أحياءٍ تمحى عن بكرة أمها وأبيها.
هل تعلم ماذا يعني:
- أن “ينعى” الرئيس بري مبادرة وقف إطلاق النار؟
- وأن “الحراك السياسي لحل الأزمة تم ترحيله إلى ما بعد الانتخابات الأميركية المقررة الثلاثاء المقبل”؟
- وأن الثابت الوحيد لديه هو أن “الحراك تم ترحيله إلى ما بعد هذه الانتخابات”؟
- وأن “هذا يترك الأمور في لبنان رهناً بتطورات الميدان”؟
- وأن يبدي تخوفه من “تحويل لبنان إلى غزة ثانية”؟
نعم، أنا وأنت نعلم بالتأكيد ماذا يعني كل هذا من خراب ودمار وتهجير!
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
هو “الأخ الاكبر” وفي السّرّاء كما الضّرّاء، وبعكس حلفاء البارحة و”حياديي” اليوم (كي أبقى سيداً، ولا أقول أكثر!)، هو النبيه ودولة الأمل الذي لا يخيب، هو الذي قال وبلكنته الجنوبية التي لم تغيرها العقود ولو فتيلا، حين طُلب منه ورقة استسلام المقاومة: “مش على حياة بري بتنعوا المقاومة والعدو بيحتل شريط امني بجنوب لبنان”.
وهو نفسه الذي قال في الذكرى السادسة والأربعين لتغييب الامام السيد موسى الصدر ورفيقيه “أنَّ تنازل المسلمين والمسيحيين عن القدس هو تنازل عن قيمهم”.
وهو الذي قال فيه سيد المقاومة في الـ ٢٠٠٦: “لقد تحمّل الأخ الرئيس نبيه بري أمانة دماء الشهداء، وتضحيات المجاهدين وثباتهم، ومعاناة المهجرين، وعمل ليل نهار من موقعه وناضل وفاوض وجادل وخاطر من أجل حماية لبنان وحفظ المقاومة وتحقيق الانتصار”
وها هو اليوم مجدداً على الوعد وعلى قدر المسؤولية ويتحمل الضغوطات ورسائل التهديدات بدءاً بالرسائل الأولى الغير مباشرة وصولًا إلى تلك التي سُطّرت ليس فقط بالعربي والإنكليزي لا بل “بالعبري المشبرح”!
ويمكننا اليوم أن نخوض في جدالات وهي مهمة وضرورية عن جدوى جبهة الإسناد وأن “حسين العصر” (كما يسميه المحبون، ليس فقط من بيئة حزب الله المباشرة) قد اتخذ قرار “وحدة الساحات”. وقد يقول البعض، وقد يكونوا محقين، أن السيد ليس الحسين وأنّى له أن يكون كذلك وهم على حق والسيد نفسه لا يرضى أن نعطيه مقتم جدّه المعصوم (كما يعتقد المسلمون الشيعة الإثناعشريون تحديداً). لكن المقصود هنا هو شجاعة وبسالة وتفاني السيد حسن واستشهاده من أجل مبادئه. وقبله فعل ذلك أخوانه القادة الكبار وحتى أنه قدّم ولدَه قربانًا على هذا الخط والنهج.
أضف إلى ذلك تساؤلات البعض الآخر وليس لتساؤلهم هنا علاقة بتساؤل البعض الآخر عن جنس الملائكة فللجميع الحق بالتعبير عن رأيه وخاصة في بلد التعددية وفي كل شيء، لبنان. إذ بإمكان البعض منا أن يناقشك بأن الإمام الحسين كان قد خرج للإصلاح في أمة جده، النبي الأكرم وخاتمهم. وهذا صحيح ومتوافق عليه لدى مراجع كل المسلمين، سنّة كانوا أم شيعة. فيسأل البعض هنا: ألم يكن الأجدر أن يخرج السيد للإصلاح في لبنان أولآً للقضاء على الفساد ولبناء لبنان-الدولة؟ علماً أنه كان قد صرّح السيد غير مرةٍ أن الحرب على الفساد في لبنان هي أشد وأصعب من الحرب مع العدو الإسرائيلي وتلك مع الإرهاب التكفيريّ.
وقد يتساءل البعض الآخر، أين وحدة الساحات وكيف تحضرت حركات المقاومة لها وأين هي من كل هذا الجمهورية الإسلامية (أو “اللاجمهورية”، كما يروق لمنتقديها المثثقين أن يسمونها، إذ كيف لها بحسب مفهومهم أن تجمع إيران الثورة بين الأضداد أي بين ال respublica بمفهومها الأصلي، أي جمهورية أفلاطون وجمهورية تلميذه أرسطو الذي كان معلماً للإسكندر الأكبر، وجمهورية شيشرون، الخطيب والبليغ والسياسي الذي كتب الكثير عن مفهوم المواطنة، أي “جمهورية الشأن العام” التي يُفترض فيها أن تكون لكل الديانات من جهة، وبين الدين، أيّ دين، وإن كان الدين الإسلامي من جهة أخرى)؟
هي بطبيعة الحال، أسئلة وتساؤلات مشروعة ومهمة لا بل قد تكون مصيرية وتمر بالأذهان ويزداد إلحاحها كلما تزايد هول الدمار والخسائر وضمن البيئة الحاضنة للمقاومة قبل غيرها.
وهذا ما يعيه تمامًا الرئيس بري ولأنه يعلم ذلك، يعلم أيضًا أن الوقت اليوم هو لرصّ الصفوف كي نبقى حماةً ل”ظهر المقاومة” وتحديداً في الداخل اللبناني الشبيه بالجمر الذي يغمره الرماد.
والكلمة الفصل ستبقى للميدان وللزنود الباسلة ولانقضاض المسيرات المباركة ولعمق الصواريخ الفتاكة.
وبعد ترجمة كل ذلك بالسياسة، وكي لا يأخذ العدو ومبعوثيه بالسياسة ما لم يستطع حتى الآن أخذه بال”عسكر”، فلتنتظر هذه المؤتمرات “التغييرية” والآراء الموضوعية والعلمية منها أو الأبواق الشعبوية الفتنوية، كما وأصحاب الهمم الوطنية منها أو الشامتة الانتقامية. فلينتظر هؤلاء وليعملوا على إثراء آرائهم ومقترحاتهم إلى ما بعد بعد بعد وقف إطلاق النار وأن لا تفاوض ولا نقاش (فضلاً وأمراً، نعم!) تحت النار كما ولا توقيع على ورقة استسلام للمقاومة كما رددها الرئيس بري. فالمقاومة هي حقٌّ مشروع للدفاع عن الأرض والعرض وبالسنن والشرائع كلها، محلية كانت أم دولية (أو ما تبقى منها من فيتوهات!).
فحذاري، أمام هول كل هذا التدمير والاستهدافات المتكرّرة على النبطية وصور والتي امتدّت إلى البقاع والضاحية (بأحيائها الأقرب إلى الساحل) وبصورة مكثفة، والتي أصبحت عملاً عسـ.ـكرياً بكل ما للكلمة من معنىً، لا صندوق بريد سياسي، خصوصاً أن ما يجري في كل منطقة الناقورة والظهيرة وشمع المطلة على سهل صور وبلدات الشعيتية وزبقين وقانا، ألّا ننتبه أنها كلها إشارات لاحتمال أن تكون الجبهة التي تلي جبهة الخيام هي اندفاعة كبيرة باتجاه الساحل اللبناني.
فهل ينوي بذلك العدو أن يحقق من البحر ما لم يستطع أن يحققه برّاً؟
كل هذا التصعيد وسط قلق من استهدافات إسرائيلية محتملة للمرافق الحيوية، لفرض حصار جوي وبحري وبري على لبنان.
وبهذا التدمير الممنهج والمهندَس واللا عشوائي أبداً في أهدافه الغير المعلنة، يجب أن نبقى يقظين كي لا يكون كذلك البقاع ضمن مخطط للالتفاف براً على المقاومين. كيف ومتى؟ للبحث صلة والأيام المقبلة ستشهد حتما الكثير الكثير من التطورات وكلنا أمل أن تشهد كذلك الأمر على الكثير من المفاجآت التي تقود لبنان بكل مكوناته إلى النصر.
