ازدواجية أمريكا مع قرارات المحكمة الجنائية الدولية وتحليل العلاقات مع اسرائيل/ زينب فرج
تعد المحكمة الجنائية الدولية، الهيئة القضائية الدولية الدائمة الوحيدة المختصة بمحاكمة الأفراد عن ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، والعدوان. تهدف المحكمة إلى تعزيز العدالة الدولية من خلال محاسبة الأفراد المسؤولين عن هذه الجرائم بغض النظر عن مناصبهم أو مكانتهم.ورغم كونها أداة هامة في النظام الدولي لتحقيق العدالة والحد من الجرائم التي تهدد السلم والأمن الدوليين، إلا أن مواقف الولايات المتحدة تجاه قرارات المحكمة كانت مثار جدل واسع، لاسيما عندما تتعلق القضايا بأطراف أو أحداث ذات صلة بمصالحها السياسية أو الحليفة لها.
تعد المحكمة
موقف الولايات المتحدة من قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن نتنياهو: رفض قاطع للقرار
في خطوة غير مسبوقة، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين في قطاع غزة خلال العدوان العسكري الإسرائيلي الأخير والذي خلف آلاف الضحايا والجرحى.
وكما هو الحال مع العديد من القرارات السابقة التي شملت إسرائيل، رفضت الولايات المتحدة قرار المحكمة الجنائية الدولية بالكامل. الموقف الأمريكي من مذكرة المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت ينسجم مع سياسات الولايات المتحدة المستمرة في دعم إسرائيل، والتي تعكس في كثير من الأحيان عدم تعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في قضايا تتعلق بحلفائها. في هذه القضية، أعلنت الولايات المتحدة رفضها للمذكرة واعتبرتها غير قانونية وتتعارض مع المعايير القانونية الدولية.
الموقف الأمريكي ليس مستغرباً بالنظر إلى السياسات الأمريكية المتعاقبة التي تميزت بدعم إسرائيل، بما في ذلك في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. وقد أكد البيت الأبيض في تصريحات رسمية أن الولايات المتحدة لن تدعم أي إجراءات ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، وأنها ستواصل حماية مصالح حليفها الإقليمي في مختلف الساحات الدبلوماسية.
مواقف سابقة: مذكرة اعتقال بحق عمر البشير
عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال ضد الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، في عام 2009، بتهم ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، اعربت الولايات المتحدة حينها عن اعتقادها. بأن من ارتكبوا أعمالا وحشية يجب أن يمثلوا أمام العدالة. ورغم أن واشنطن كانت قد أيدت موقف المحكمة في سياق دعم ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، إلا أنها لم تبادر إلى الضغط على الدول التي كانت تستضيف البشير، لتسليمه إلى المحكمة. هذا التردد يعود إلى تعقيدات السياسة الدولية واهتمام الولايات المتحدة بمصالحها الإستراتيجية في إفريقيا، حيث كان البشير يعد حليفًا لبعض القوى في المنطقة.
مواقف أمريكا تجاه قرار المحكمة الجنائية الدولية ضد بوتين
على نفس النحو، نجد أن مواقف الولايات المتحدة تجاه القرارات التي صدرت بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وخاصة بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، كانت مليئة بالتناقضات. فعندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرًا بالقبض على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتهم ارتكاب جرائم حرب، وتورطه في الهجمات على المدنيين في أوكرانيا، لا سيما في عمليات النقل القسري للأطفال الأوكرانيين إلى الأراضي الروسية، رحب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بمذكرة توقيف نظيره الروسي، وصرح قائلا: “لقد ارتكب جرائم حرب بوضوح”.
مواقف الولايات المتحدة تجاه قرارات المحكمة الجنائية الدولية تبرز تباينًا بين ما تُعلنه من دعم لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، وبين ممارساتها الفعلية في حالات النزاع الدولي التي تتعلق بمصالحها. كما لا تتردد في رفض أو تحدي قرارات المحكمة عندما تتعلق بحلفائها أو بتجاوز صلاحيات المحكمة في القضايا التي ترى أنها تتعارض مع سياساتها الخارجية.
كما يعكس موقفها العلاقة الوثيقة بينها وبين وإسرائيل، حيث تُعد الولايات المتحدة أحد أبرز داعمي إسرائيل على الساحة الدولية، وتعارض بشكل مستمر قرارات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية التي قد تتسبب في ضغوط على الحكومة الإسرائيلية.
