“طوفان ترامب” … وتذويب القضية الفلسطينية والدول العربية!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
بعدما تمكن التحالف الأميركي-الإسرائيلي من احتواء “طوفان الأقصى” و”طريق القدس”، وحقق مكاسب إضافية مثل “إسقاط سوريا” ونقلها إلى جبهة العداء للمشروع المقاوم، إضافةً إلى اغتيال قادة المقاومة وقطع رؤوسها الميدانية التاريخية، وعلى رأسهم “السيد الشهيد”، الذي تعتبر أميركا وإسرائيل اغتياله “ضربة العصر”، يواصل هذا المشروع هجومه باسم “طوفان ترامب“، لإغراق العالم بقراراته وترسيخ نفسه “سيدًا للعالم”. فمن ركب في سفينته نجا، كما في قصة نبي الله نوح، ومن تخلف عن الولاء والطاعة أغرقته أميركا بالقتل والتهجير والحصار والعزل عن الحكم!
يتصرف الفرعون الأميركي “ترامب” بعجرفة وغرور يصل إلى حد الجنون، فيفكر ويقرر وينفذ دون اعتبار لأي قانون دولي أو مبدأ ديني أو إنساني. لكن المشكلة الأخطر أن أغلب المعنيين ينفذون أوامره دون اعتراض، مما يشجعه على مواصلة هجومه، متصرفًا وكأن العالم ملكه الخاص يفعل به ما يشاء!
بدأت أميركا مشروع تذويب القضية الفلسطينية، متجاوزةً “صفقة القرن” وحل “الدولتين”، لتنتقل إلى حل “الدولة اليهودية النقية” عبر التهجير المنظم للفلسطينيين. وبعد خمسة عشر شهرًا من الإبادة الجماعية الوحشية في غزة، تسعى أميركا إلى إلغاء الطرف الفلسطيني المقاتل وإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي وفق رؤيتها، لتحقيق هدفين أساسيين تحتاجهما في العقود المقبلة:
- تأمين الاستقرار في المنطقة وضمان الأمن لإسرائيل، وإنهاء الحرب بينها وبين العرب، مع الإبقاء على بعض الفلسطينيين كعمال تحتاجهم إسرائيل، وليس كشعب في أرضه.
- إشعال الحروب بين العرب والمسلمين، سواءً على أسس مذهبية أو قومية أو عرقية، وتأجيج الصراع على الثروات والمياه.
وفقًا للمعطيات والتجارب السابقة، تعتقد أميركا أن هذه الخطوة قابلة للتنفيذ عبر توطين الفلسطينيين في الدول التي يقيمون فيها، وإغرائهم بتعويضات مالية ضخمة، بالتوازي مع منحهم جنسيات الدول المضيفة، على أن تتكفل دول الخليج بتغطية التكاليف بناءً على الطلب الأميركي، مقابل بقاء الملوك والأمراء في السلطة. لكن في الوقت نفسه، تُستثنى دول الخليج من استقبال اللاجئين الفلسطينيين، تفاديًا لما تعرضت له الدول التي استضافتهم سابقًا (الأردن، لبنان، سوريا، الكويت). ويجري ذلك بالتوازي مع فرض حمل جنسية واحدة عالميًا، لتذويب الهوية الفلسطينية، كما حدث مع الفلسطينيين المجنسين في أميركا وأوروبا، الذين انقطعت صلتهم بقضيتهم!
لقد تآمر العرب وتركيا على محور المقاومة، واعتقدوا أن “سيدهم” الأميركي سيكافئهم، لكن أميركا لا تعرف الأصدقاء أو الحلفاء، بل لديها أتباع وموظفون لمهام ظرفية، ينتهي دورهم بمجرد انتهاء وظيفتهم. بل إن الملوك والرؤساء والأمراء الذين خدموا أميركا، وأغدقوا عليها الأموال وتآمروا على إخوتهم، قد يتحولون في نظرها إلى “إرهابيين” إذا خالفوا أوامرها، أو رفضوا استقبال المنفيين من غزة والضفة. وبعضهم لا يحتاج إسقاطه إلا ساعات قليلة، كما قال ترامب نفسه: “عليهم أن يفعلوا، لأننا نحميهم ليبقوا في الحكم… وسيفعلون”.
فرح العرب وبعض المسلمين لما أصاب المقاومة، التي قاتلت بشرف وكرامة وثبات، ولم تستسلم ولم تمت بعد. لكنهم سيواجهون مصيرًا أسوأ، والفرق الوحيد أنهم سيكونون أذلاء!
أسئلة مصيرية
- هل ينجح “طوفان ترامب” في تذويب الشعب الفلسطيني وإنهاء الصراع؟
- هل يستيقظ ما تبقى من العرب والمسلمين للتحالف مع المقاومة لحماية أنفسهم وشعوبهم؟
- هل سيولد تحالف “المتضررين والمهددين” لمواجهة المشروع الأميركي؟
- هل سيقبل الفلسطينيون بالتوطين والنفي والتجنيس؟
غياب التحرك الفلسطيني والعربي
المشهد الفلسطيني لا يبشّر بالخير، فلم نشهد مظاهرةً أو اعتصامًا للفلسطينيين في مخيمات الخارج، أو في أوروبا وأميركا، للاعتراض على مشروع تذويبهم وتجنيسهم وإلغاء حق العودة. وكأنهم راضون، أو ينتظرون ساعة الخلاص من اللجوء إلى المواطنة، ولو كانت خارج فلسطين!
- لماذا لم يعقد المجلس الوطني الفلسطيني والفصائل الفلسطينية اجتماعًا طارئًا لتوحيد الموقف والاعتراض؟
- لماذا لم تجتمع جامعة الدول العربية، كما اجتمعت ضد سوريا المقاومة سابقًا ومنحتها مهلة خمس دقائق للرد؟
- لماذا لم تعقد الدول الإسلامية والعربية قمة طارئة؟
يبدو أن ما قاله “ترامب” صحيح: “إنهم لا يعارضون… ولا يصرّون على إقامة الدولة الفلسطينية”!
الموقف المطلوب من لبنان
على الطوائف والأحزاب اللبنانية اتخاذ موقف حاسم وفق الخطوات التالية:
- تضمين البيان الوزاري رفض توطين الفلسطينيين أو دمج النازحين، مع إقرار إعادة النازحين السوريين خلال ثلاثة أشهر إلى بلدهم.
- ربط سلاح المقاومة بتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، ومنع توطين الفلسطينيين ودمج النازحين.
لا يزال الوقت متاحًا للدفاع عن الأمة وثرواتها، وعن دينها وكرامتها، كما أن الأمل في هزيمة المشروع الأميركي لا يزال ممكنًا وليس مستحيلًا!
فهل تتحرك الشعوب ونخبها وأحزابها للدفاع عن مستقبلها، أم سنغرق جميعًا في الطوفان الأميركي؟
