الجيوش الأميركية والإسرائيلية والتركية تتقاسم سوريا

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
بعدما أخلى الجيش السوري مواقعه ورمى أسلحته واستسلم طوعًا أو إكراهًا أو خداعًا، تحول جنوده وضباطه إلى فارّين ومطاردين ومعتقلين، بالتزامن مع تدمير إسرائيل للترسانة العسكرية السورية، بما في ذلك المطارات والقواعد والأنفاق والطائرات، والقضاء على القدرات العسكرية السورية بالكامل. وهكذا أصبحت سوريا دولة بلا جيش وطني، بل تحت حكم مجموعات تكفيرية تدير البلاد وكأنها إدلب الكبرى، بعدما حكمت إدلب الصغرى لسنوات.
المخطط الأميركي الذي يتم تنفيذه في سوريا بوتيرة متسارعة بعد إسقاط النظام يرتكز على تعميم الفوضى الأمنية والاجتماعية ومنع قيام دولة بالمعنى الحقيقي، بالإضافة إلى السماح والتشجيع على ارتكاب المجازر ضد الأقليات العلوية والشيعية والدرزية والمسيحية وجزء من السنة غير المؤيدين للجماعات التكفيرية، تمهيدًا لدفع هذه الأقليات إلى طلب الحماية الأجنبية أو تقبّلها لمنع الاعتداءات عليها.
تلعب تركيا، باعتبارها حليفًا استراتيجيًا للعدو الإسرائيلي وعضوًا في حلف الناتو، دورًا رئيسيًا في تحقيق طموحاتها السياسية ومطامعها الاقتصادية في سوريا، حيث تدير وترعى وتدعم السلطة الجديدة هناك. وقد تعهدت بأن يكون جيشها هو البديل عن الجيش السوري لحماية النظام الجديد، مع التزامها بحدود جغرافية رسمتها إسرائيل، حيث يُمنع على الجيش التركي أو جبهة النصرة تجاوزها وفقًا للمصالح الإسرائيلية المرحلية والاستراتيجية. ولهذا، وضعت إسرائيل خطًا أحمر يمنع السلطة الجديدة من التقدم نحو مناطق الدروز في السويداء المرتبطة بالجولان السوري المحتل، ثم تمدد هذا الخط ليشمل درعا والجنوب السوري، مع تأكيد إسرائيل على استعدادها للتدخل في سوريا لحماية الدروز، بما في ذلك جرمانا وغيرها. وهذا ما أدى إلى وقف مؤقت لاشتباكات جرمانا ومنع جبهة النصرة التي تسيطر على السلطة من متابعة هجومها بعد التهديد الإسرائيلي بالتدخل.
تتقاسم الجيوش الثلاثة، الأميركية والإسرائيلية والتركية، السيطرة على سوريا، مع منح الجيش الإسرائيلي الأفضلية في التحرك والتدخل والقصف في أي منطقة، بخلاف الجيش التركي الذي يُسمح له بالتدخل فقط وفقًا للمصالح الإسرائيلية، حيث لا تثق إسرائيل بأي طرف عربي أو مسلم، بل تستخدمه كأداة مرحلية، وربما تصطدم معه لاحقًا لتبييض صورة النظام التركي. في المقابل، ستعمل أميركا على إطلاق يد الجماعات التكفيرية في سوريا لارتكاب المجازر ضد الأقليات الإسلامية والمسيحية، حتى يكتمل مشروع التقسيم والاستعمار متعدد الجنسيات، وإطالة أمد الفوضى، وتقسيم سوريا جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا، ومحو هويتها الوطنية والقومية، وتدمير نسيجها الاجتماعي والديني. والهدف النهائي هو استيلاد سوريا الجديدة خارج الإطار العربي، وإلزامها بالتطبيع مع إسرائيل، ومواجهة حركات المقاومة، والتنازل عن مصالحها لصالح تركيا.
سيتم السماح لجبهة النصرة بتسلّم السلطة مؤقتًا لتنفيذ المشروع الأميركي، وإبقاء حالة الفوضى الداخلية والصراع الدموي المستمر، الذي قد يدوم عشر سنوات، كما حدث في ليبيا بعد إسقاط القذافي، وكما هو الحال في السودان بعد تقسيمه إلى شمال وجنوب، ثم دخول الشمال نفسه في حرب أهلية.
تعمل أميركا على استنساخ النموذج الليبي في سوريا نظرًا لأهميتها الجيوسياسية، حيث تستطيع واشنطن عبرها تهديد ثلاث دول محورية في المنطقة، لبنان والعراق والأردن، بشكل مباشر، وإلحاق تهديد غير مباشر بإيران وروسيا، التي قد لا تجني أي مكاسب مقابل تخليها عن سوريا.
إفشال المشروع الأميركي لا يمكن أن يتم إلا بأيادٍ سورية داخلية، أما شكل النظام، فهذا شأن يقرره الشعب السوري، وذلك لإنقاذ سوريا والمنطقة من مشروع التقسيم الأميركي والفوضى الدموية، من خلال مبادرة السوريين بكل أطيافهم لمقاومة هذا المخطط، ورفض الاستسلام له، وعدم الانخراط، بقصد أو دون قصد، في مشاريع الحمايات الأجنبية التي ستؤدي إلى ترسيخ التقسيم الواقعي في سوريا، وخلق دويلات طائفية وقومية وإثنية، سواء تم الإعلان عنها رسميًا أو بحكم الأمر الواقع.
تستغل أميركا وإسرائيل وتركيا الأوضاع في غزة ولبنان، وانشغال العالم العربي ودول الجوار بالحروب المستمرة، لتحييدهم عن الأزمة السورية وتقييد حركتهم في إنقاذ سوريا. وهذا يشير إلى أن نهاية الحرب في لبنان أو غزة لن تكون قريبة، بل سيظل لبنان وفلسطين تحت التهديد والقصف الدائم لسنوات، حتى تتمكن المقاومة من إعادة هيكلة منظومتها وتثبيت قواعد اشتباك تحمي لبنان وفلسطين، وليس هذا مستحيلًا، بل سيكون بإذن الله.
