غزة… والاجتياح الأخير

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
بعد ستة عشر شهرًا من المقاومة بالتلازم مع الإبادة الجماعية لغزة، يستعد العدو الإسرائيلي لبدء اجتياحه الأخير، لتنفيذ قرار “ترامب” بتهجير أهل غزة كرهًا أو طواعية، لإنهاء قضية غزة التي قال عنها “بن غوريون” عام 1956: “يجب التخلص من ألم الرقبة وتهجير غزة“.
سيستغل التحالف الأميركي-الإسرائيلي الضجة حول التحضير للحرب على إيران لتنفيذ مشروع التهجير، وفي حال نجاحه، سيقوم بتكراره في دول عربية أخرى تحت عنوان “إعادة هندسة الشعوب”، ونقل الأقليات داخل دولها أو خارجها أو تهجير جزء من السكان لتحقيق “الغلاف الآمن” لـ”إسرائيل الصغرى” داخل فلسطين المحتلة، وتنفيذ الخطوات العملية لولادة “إسرائيل الكبرى”. ويمكن أن يبدأ التنفيذ في الساحل السوري لتهجير العلويين، ثم جنوب لبنان، وضم الجولان والجنوب السوري، ثم الانتقال إلى العراق.
حاولت حركة “حماس” تقديم التنازلات مقابل وقف الإبادة الجماعية لغزة، نتيجة الصمت والتآمر العربي والعالمي. وكلما وافقت على اتفاق وقف للنار وتبادل الأسرى، يسارع العدو للتملص منه أو التأجيل أو نقضه، لأن هدفه الأساسي ليس تحرير الأسرى، بل “تحرير غزة” من أهلها والقضاء عليها. وإذا نجح في ذلك، سينتهي الكفاح المسلح الفلسطيني في الداخل والخارج لعقود طويلة، وسيلغى حل الدولتين، ويُغلق الملف الفلسطيني كشعب ودولة.
وافقت حماس على وقف النار وتبادل الأسرى، وقايضته بهدف مرحلي (إطلاق الأسرى الفلسطينيين الذين تستطيع إسرائيل اعتقالهم ساعة تشاء) ولحفظ حياة أهلها ومنع موتهم جوعًا ومرضًا، فقبلت مبادلة الأسرى بالطحين والدواء. ومع ذلك، نقضت إسرائيل الاتفاق وأوقفت دخول المساعدات، للضغط على حماس، وقد نجحت كما يبدو، حيث أعلنت حماس موافقتها المبدئية على التنازل عن السلطة وتسليم الحكم إلى هيئة أهلية “هيئة الإسناد المجتمعي” لإدارة غزة، والتي ليس لها صفة سياسية، بل تشبه جمعية خيرية وأداة تنفيذية لتوزيع المساعدات وتنسيق إعادة الإعمار غير المضمون.
تكرّس إسرائيل مبدأ عدم التزامها بالقوانين الدولية والاتفاقات الظرفية لوقف النار، سواء في غزة أو لبنان، بل تستغل هذه الاتفاقيات لتسهيل عمليات الاغتيال وربح الحرب المعنوية على الخصم، وإظهاره بموقف الذليل والضعيف العاجز عن الرد.
لم يبق بيد “حماس” والمقاومة في غزة إلا ورقة ما تبقى من الأسرى، والتي يعمل “نتنياهو” على إضعافها بالمراهنة على قتلهم بالقصف أو إطالة الوقت ليموتوا بالخوف والمرض. وعندما تنتهي ورقة الأسرى الإسرائيليين سواءً بالتبادل أو القتل، ستضعف أو تنتهي كل أوراق القوة لدى حماس، سواء لجهة التهديد بالقصف المؤثر أو الأسرى، وستأخذ إسرائيل المدنيين في غزة رهائن، يتم قتلهم يوميًا حتى توافق حماس على تسليم السلاح ونفي قادتها العسكريين والميدانيين، كما حصل مع المقاومة الفلسطينية في بيروت عام 1982، مما يسهل تنفيذ المشروع الأميركي-الإسرائيلي.
لقد كانت غزة ضحية العدوان الإسرائيلي-الأميركي والغدر والتآمر العربي والإسلامي، كما هو حال المقاومة في لبنان واليمن والعراق، والذي يمكن أن تكون ذروة معاركه “المنازلة الكبرى” بين إيران والتحالف الأميركي-الدولي. فإذا استطاعت إيران الصمود وإفشال الهجوم الأميركي، فإن محور المقاومة سيستعيد بعض النقاط والتوازنات التي خسرها، وإذا ما سقطت إيران، ستنتهي مرحلة استثنائية امتدت لأربعين عامًا من مقاومة المشروع الأميركي في المنطقة، وستدخل المنطقة العربية والشرق الأوسط في نفق الاستعمار الأميركي-الإسرائيلي، وتنتهي مرحلة الاستقلال والتحرر، وتبدأ مرحلة التفكيك وتغيير معالم الشرق الأوسط، لصناعة شرق أوسط جديد، بشّر به الرئيس الإسرائيلي الأسبق “شمعون بيريز” عام 1993، وكذلك وزيرة الخارجية الأميركية “كونداليزا رايس” عام 2006، وأكّد عليه “نتنياهو” عام 2024، ويعمل على تنفيذه ميدانيًا.
لم تنتهِ الحرب ولم تستسلم إيران وحركات المقاومة، ويمكن أن تكون المعركة الأخيرة القادمة أو المفاوضات القادمة نقطة تحول لصالح محور المقاومة وشعوب المنطقة والقضية الفلسطينية، واستعادة التوازن ومعادلات الردع رغم الظروف الصعبة وخطورة المعركة. لكن يبقى الأمل والتوكل على الله سبحانه والمقاومة العاقلة والصابرة والموضوعية كفيلين بالنصر، أو على الأقل عدم الانهزام، ولو فرضت الظروف الانكفاء المؤقت والمرحلي لحفظ ما تبقى، ليكون قاعدة الانطلاق لما سيأتي.
ومهما كانت نتائج الحرب، يبقى لنا الشرف أننا لم نستسلم ولم نطبّع… وقاتلنا حتى الرصاصة الأخيرة… كما في كربلاء.
