أميركا… و”إتلاف التكفيريين” في سوريا

بعد انتهاء مهمة “الأفغان العرب” ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، جُمِعوا في قاعدة عسكرية بحجة دراسة مستقبل وجودهم في أفغانستان وإعادتهم إلى دولهم، ثم قامت الطائرات الأميركية بقصفهم. أما من عاد إلى وطنه، فتم اعتقاله من قِبَل الحكومات التي سهّلت وصوله إلى أفغانستان، ودعمته ماليًا واستخباراتيًا، وشرّعت قتاله بالفتاوى، ثم أصدرت الأحكام بحقه بتهمة الإرهاب، وقتلت بعضهم، بينما تمكّن البعض الآخر من الفرار وإعادة التجمّع برعاية وتنظيم أميركي. من هنا وُلدت “داعش” و”النصرة” و”هيئة تحرير الشام” وعشرات الفصائل التكفيرية.
انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان دون إبلاغ “جيش لحد”، وترك جنوده وعملاءه مع عائلاتهم على الحدود، ولم يُسمح لهم بالدخول إلى فلسطين المحتلة إلا بعد وقت، ليُعاملوا كلاجئين منبوذين داخل إسرائيل، دون أن تشفع لهم خدمتهم في جيش الاحتلال لأكثر من 20 عاماً. وسبق أن فعلت إسرائيل الأمر نفسه مع القوات اللبنانية في دير القمر والجبل.
نفّذت الجماعات التكفيرية، التي جمعتها أميركا عبر تركيا وبعض الدول العربية، المهمة الموكلة إليها بإسقاط الدولة السورية، بعد حرب دامت أكثر من 14 عاماً، هدفت إلى إخراج سوريا من محور المقاومة، وتحويلها إلى دولة مُفككة. وقد دمرت إسرائيل معظم القدرات العسكرية والعلمية لسوريا، وصادرت منابع المياه في الجنوب السوري، وستواصل نهب ثرواتها. فيما تستكمل الجماعات التكفيرية ارتكاب المجازر بحق العلويين والدروز والأكراد والشيعة والمسيحيين، لتسهيل تقسيم سوريا، أو دفع الأقليات لطلب الحماية الأجنبية، كما حصل مع الدروز في الجولان والجنوب السوري، في ظل الحماية الإسرائيلية لهم، والتي قد تمتد إلى “جرمانا” في ضواحي دمشق. وقد يُدفع بالعلويين لطلب الحماية من إسرائيل أو روسيا أو حتى أميركا، في محاولة لوقف المجازر، والأمر ذاته ينسحب على الأكراد الذين نسّقوا مع واشنطن منذ سنوات.
في النهاية، لن يبقى من سوريا إلا محافظاتها الداخلية المعزولة، تتنازع فيها المذاهب السنية الأربعة والمذهب الوهابي التكفيري، وتتصارع فيها الصوفية مع الجماعات المتطرفة، إضافة إلى النزاعات بين الفصائل ذات الارتباطات الخارجية المختلفة.
إسرائيل، من جهتها، لن ترضى بمقاسمة تركيا على “الطريدة السورية”، بل ستسعى إلى إنهاء دور أنقرة والجماعات التكفيرية بعد إنجاز مهمتهم، دون ترقية تركيا إلى مستوى “الحليف” أو “الشريك”، بل ستبقيها في رتبة “المنفّذ” الذي يتقاضى الفتات، دون أن يُسمح له بالجلوس على طاولة تقاسم سوريا. وقد تمثّلت أولى الرسائل الإسرائيلية بقصف القوات التركية في سوريا، وقتل مهندسين أتراك في مطار حماة العسكري.
بعد انتهاء مهمة الجماعات التكفيرية، ستبادر أميركا إلى “إتلافها” والتخلّص منها، إما عبر القصف الإسرائيلي بحجة تهديدها لأمن إسرائيل، في سيناريو مدعوم بـ”فتوى مخادعة” يتم إصدارها بزعم “الجهاد” لنصرة غزة، بعد فوات الأوان، وإما عبر إشعال القتال الداخلي بين هذه الفصائل، مع الاحتفاظ بجزء منها، خصوصًا العناصر من آسيا الوسطى والصين، لاستخدامهم ضد روسيا لاحقًا، مع بعض المهام الجانبية في العراق ولبنان.
إن “إتلاف” الجماعات التكفيرية هو قرار أميركي حتمي، بانتظار ساعة التنفيذ. فأميركا لا تحتفظ بالعملاء بعد انتهاء مهماتهم، سواء كانوا رؤساء، ملوكًا، أمراء، أو تنظيمات. فقد فعلت ذلك مع بن لادن، والبغدادي، والزرقاوي، قتلتهم أو اختفت آثارهم، كما فعلت مع صدام حسين، بعد أن ورّطته في الحرب مع إيران ثم غزو الكويت، فأطاحته وأعدمته، وستفعل الأمر نفسه مع غيره. أما إسرائيل، فلا تقيم تماثيل للعملاء، بل تتركهم على الأرصفة أو تُصفيهم.
إن الجماعات التكفيرية وتركيا تُشكّلان خطرًا على أوروبا، نظرًا إلى الموقع الجغرافي لتركيا كبوابة للقارة. ومهما حاول أردوغان توظيف الإسلام السياسي لخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية، فلن يُمنح رتبة “الحليف”، بل سيبقى مجرّد منفّذ، وسينتهي به الأمر إلى التقاعد القسري دون تعويض، وربما إلى السجن أو القتل في سياق انتفاضة شعبية داخلية على السلطة.
سقوط سوريا شكّل ضربة قوية لمحور المقاومة، وأضعف العالم العربي، لكنه سيكون بداية الصراع بين الأدوات الأميركية – التركية والعربية والإسرائيلية – على تقاسم الثروات السورية. فالفوضى المقبلة في سوريا، والتي سيشعلها التحالف الأميركي – الإسرائيلي، تهدف إلى إبقاء البلاد مصدر إقلاق للبنان والعراق، واستعمالها في اللحظة المناسبة باتجاه الأردن، تمهيدًا لإقامة الوطن البديل للفلسطينيين بعد تهجيرهم من غزة والضفة والقدس. كما أن “سلطة الجولاني” التي تجنّس التكفيريين الأجانب، قد تُكلّف لاحقًا بتجنيس المهجّرين الفلسطينيين.
نصيحة إلى “التكفيريين المسيحيين” وبعض الطحالب السياسية من الطوائف الأخرى في لبنان: لا تغامروا بالانخراط في المشروع الأميركي ضد المقاومة، فمصيركم لن يكون أفضل من “جيش لحد”، أو “الأفغان العرب”، أو بن لادن والبغدادي… الذين أنهت أميركا خدماتهم كما بدأت بهم.
