لبنان بين ليلٍ إقليمي طويل… وقلق داخلي لا ينام

تكشف عناوين الصحف اللبنانية اليوم عن بلد يعيش على إيقاع تحولات تتجاوز جغرافيته، وسط تقاطع أزمات داخلية ضاغطة، واصطفافات إقليمية ودولية تُعيد رسم خرائط النفوذ. لبنان لا يُمسِك بمفاتيح الحل، بل بالكاد يلتقط أنفاسه وسط زوابع السيادة الممزقة، والتسويات المؤجلة، ومراوحة الملفات الكبرى في مربعات الاشتعال.
من خلفية هجوم أميركي سياسي وإعلامي جديد، تطلّ زيارة الموفدة الأميركية الثالثة على لبنان لتصب الزيت على نار الانقسام الداخلي، وتؤكد أن واشنطن ما زالت تتعامل مع البلد بوصفه ساحة اختبار لا شريكًا سياديًا. فخطابها بات أقرب إلى الإنذار منه إلى النُصح، فيما تمضي في سياسة العصا الدبلوماسية التي تُغلّف الموقف من المقاومة وسلاحها، ومن دور لبنان في المشهد الإقليمي المتغير.
في موازاة ذلك، يتبدّى مشهد القضاء اللبناني كمرآة مأزومة لأزمة الدولة. التحقيق في ملف مرفأ بيروت يتنقّل بين التصعيد والتجميد، فيما فرنسا تُلمّح إلى محاولة خرق جدار الجمود القضائي. إلا أن السؤال الأبرز يبقى: هل بات ملف 4 آب ورقة تفاوض دولي أكثر مما هو مسار عدالة وطنية؟
الملف الاقتصادي بدوره يزداد ضبابية. فالحكومة، كما تكشف بعض العناوين، “تحاكي” صندوق النقد ولا تقنعه، فيما يستمر رياض سلامة، من خارج موقعه، في بث رسائل تحذيرية حول “مؤامرة” ضربت الاقتصاد ليلًا. أما الإصلاح المصرفي، فهو مؤجل حتى إشعار آخر، تُتلى بشأنه النوايا، ولا تُنفّذ منه البنود.
على الصعيد الإقليمي، تتجه الأنظار إلى مفاوضات سلطنة عمان بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ترسم خطوط الاشتباك والتفاهم على حدٍّ سواء. ولبنان، كعادته، يدفع فاتورة كل خطوة تفاوضية، سواء عبر التصعيد الإسرائيلي المتجدد، أو من خلال الضغط على البنية الداخلية للدولة التي باتت مكشوفة وعاجزة عن حماية نفسها سياسيًا وأمنيًا.
وفي غمرة كل ذلك، تأتي مفارقة تُثير الأسى أكثر من الفخر: الجامعة اللبنانية تُحلّق في التصنيفات العالمية، فيما الدولة التي تنتمي إليها تنهار. نجاح أكاديمي خارج حدود وطنٍ تُهمل فيه الكفاءات، وتُكافَأ فيه الفوضى على حساب الإنجاز.
لبنان اليوم ليس في قلب الحدث، بل على حافة الانهيار الذي يتغذى على فراغ القرار، وارتهان المؤسسات، وتبدّد السيادة. إنه زمن الانتظار القاتل: انتظار الانفراج من الخارج، أو الانفجار من الداخل.
