من خضع للطرف الثاني اميركا ام ايران ؟

كاتبة وباحثة سياسية
مهم وجوهري، ان نفهم السياق السياسي والاستراتيجي ، الذي دفع باميركا و ايران الى التفاوض بشكل غير مباشر :
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
اميركا تخلت عن الحل العسكري وذهبت إلى المفاوضات مع إيران ليس بسبب “الخوف” التقليدي، بمعنى الخوف من حرب مباشرة أو هزيمة عسكرية، لأن من الناحية العسكرية، أميركا تتفوق بشكل كبير على إيران.
و إيران لم “تخضع” حرفيًا لشروط اميركا لكنها ، قبلت بالعودة إلى المفاوضات ! في أكثر من مرحلة، خاصة في عهد إدارة بايدن، بهدف رفع العقوبات وتحقيق مكاسب اقتصادية مقابل التزامات نووية معينة.
لكن من المهم ايضا ان نفهم أن إيران دائمًا حاولت أن تُظهر أنها لا تتفاوض تحت الضغط أو التهديد !! وأن ذهابها للمفاوضات هو ‘قرار سيادي ‘ نابع من مصلحتها الوطنية، وليس “خضوعًا” لشروط أميركا.
اذا كيف وافق الطرفان الذهاب الى طاولة المفاوضات وكيف حصلت ؟
باختصار شديد ، اميركا وايران وجدا ان التصعيد لا يخدم مصالحهما فذهبا الى طاولة التفاوض ، فالمفاوضات حصلت نتيجة مزيج من الاسباب التالية :
من الناحية الاميركية :
اهم الاسباب التي دفعت باميركا للذهاب الى طاولة المفاوضات هي الخشية من امتلاك إيران للسلاح النووي:
في اميركا هناك قناعة تامة بأن استمرار إيران في برنامجها النووي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى امتلاك قنبلة نووية، وهذا شيء يشكل تهديدًا كبيرًا لأمن إسرائيل، و حلفاء أميركا في الخليج، وحتى النظام العالمي.
و توجيه ضربة عسكرية لإيران كان سيؤدي إلى ردود فعل خطيرة، منها إغلاق مضيق هرمز، استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، وهجمات على إسرائيل، وربما إشعال حرب شاملة ، اضافة الى الضغط الداخلي والدولي ، فاميركا تواجه ضغوطًا من أوروبا وأطراف أخرى لتجربة المسار الدبلوماسي بدلًا من التصعيد العسكري.
اذن أميركا لم “تخضع” بالمعنى المباشر، لكنها أدركت أن استمرار التصعيد بدون حلول دبلوماسية قد يؤدي إلى نتائج مكلفة جدًا وغير مضمونة ، فالولايات المتحدة لم تكن المرة الاولى التي تذهب للتفاوض مع ايران فهي أبدت استعدادًا للعودة إلى طاولة المفاوضات في عدة مراحل، خصوصًا بشأن الاتفاق النووي (JCPOA) خاصة بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق في 2018 وفرض “أقصى ضغط” على إيران، فجاءت إدارة بايدن بسياسة مختلفة تهدف إلى استئناف التفاوض وإعادة الاتفاق النووي .
عادت اميركا الى التفاوض تحت شرط ان تلتزم إيران بالالتزام الكامل ببنود الاتفاق النووي أولًا.
وجهة نظر ايران من التفاوض :
التفاوض بين إيران وأميركا (خصوصًا حول الاتفاق النووي) كان دائمًا صراع شد وجذب، وكل طرف حاول أن يُظهر أنه صاحب اليد العليا. إيران لم توافق على شروط أميركا المسبقة، مثل “تفكيك برنامجها النووي بالكامل” أو “وقف دعمها لحركات في المنطقة”، لكنها قبلت التفاوض تحت وساطة دولية وبشروط متبادلة .
و ببراعة إيران في التفاوض والصبر الاستراتيجي ، استخدمت ورقة التخصيب النووي والقدرة على “الاقتراب من العتبة النووية” كورقة ضغط قوية، ما أجبر الدول الكبرى على الجلوس معها للتفاوض ،
وضعت ايران شرطا اساسيا للذهاب الى طاولة المفاوضات برفع العقوبات أولًا، وضمانات بعدم الانسحاب مجددًا كما حدث في السابق عندما بدأت مفاوضات غير مباشرة في فيينا، بوساطة أطراف أخرى (مثل الاتحاد الأوروبي)
ففي الختام ، إذا كنا نتحدث عن “خضوع” أميركا ام ايران ؟ فالأدق أن نقول إن كلا الطرفين أبديا مرونة معينة ، عندما رأيا أن التصعيد لا يخدم مصالحهما، لكن كل منهما حاول الحفاظ على هيبته السياسية أمام جمهوره الداخلي والدولي.
يعني: كل طرف تنازل بشكل ما، دون أن يُظهر ذلك على أنه خضوع و هي لعبة توازن سياسي.
