أميركا ونزع “فكرة” المقاومة المسلحة… وليس السلاح!

كاتب وباحث سياسي وأستاذ جامعي
في مقال جديد للدكتور نسيب حطيط، الكاتب والمفكر السياسي، يكشف عمق المشروع الأميركي–الإسرائيلي الهادف إلى نزع فكرة المقاومة المسلحة من الوعي العربي والإسلامي، لا مجرد نزع السلاح. يسلط الضوء على الحرب النفسية والثقافية التي تُخاض بالتوازي مع القصف والدمار، ويطرح تساؤلات حرجة حول مصير المقاومة ومستقبل العقل العربي في ظل التطبيع والترويض الإعلامي والديني.
وحاء في المقال :
لأول مرة في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، يُنفَّذ مشروع نزع السلاح من العالم العربي ومن كل يدٍ تقاتل أو تهدّد أميركا وإسرائيل، بينما يُسمح بامتلاك السلاح المطلوب لإشعال الحروب الأهلية، بهدف إنهاك الدول والشعوب وإضعافها، واستبدال العدو الإسرائيلي بأعداء محليين.
إن المشروع الأخطر اليوم هو تعميم مفهوم “عدم جدوى المقاومة المسلحة” لتحرير الأرض أو تأمين الأمن والاستقرار، وذلك عبر الحروب التأديبية على حركات ودول المقاومة، كما جرى في غزة، حيث حصل تدمير شامل يُشبه ما حدث للمدن خلال الحرب العالمية الثانية، إلى جانب الإبادة الجماعية الوحشية. ويجري ما يشبه ذلك في لبنان، من تدمير ممنهج للقرى، للمرة الأولى في تاريخ الصراع بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وذلك في ظل استمرار الحرب، بهدف تقويض الأمن والاستقرار للطائفة أو الجماعة التي لا تزال تعلن العداء والقتال لإسرائيل.
أما شعار “نزع السلاح” فليس سوى تغطية لخطة أشمل عنوانها الحقيقي: تدمير السلاح. وهو المشروع الذي بدأ قبل غزو العراق، تحت ذريعة تدمير “أسلحة الدمار الشامل” العراقية، والتي أثبتت الوقائع واعترافات المسؤولين الأميركيين أنها لم تكن موجودة أصلاً. ويبدو أن كل سلاح يهدّد إسرائيل أو أميركا يُعتبر تلقائياً “سلاح دمار شامل”!
وفي سوريا، كان الهدف تدمير القدرات العسكرية الهائلة للدولة السورية، في سبيل تثبيت واقع “منطقة منزوعة السلاح” باستثناء السلاح الإسرائيلي–الأميركي، أو السلاح الذي يأتمر بأوامرهما وينفذ مشروعهما للهيمنة على المنطقة.
إن التدمير الشامل، والإبادة الجماعية، والاغتيالات، والتهديد الدائم، تشكل المرحلة الأولى لإعادة تثبيت فكرة “الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهَر”، بعدما قهرته المقاومة في لبنان عام 2000. كما تهدف هذه المرحلة إلى ترسيخ فكرة “عبثية” المقاومة المسلحة، وأن المضيّ في هذا الخيار سيجلب لحاملي السلاح ومؤيديه الكوارث والتهجير، لضمان أمن إسرائيل ومصالح أميركا لعقود، ربما لخمسين أو مئة عام. لأن الانهيار النفسي والاستسلام للأمر الواقع سيحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أجيال لإعادة المحاولة، بعد أن تُطفأ جذوة المقاومة ويُسلَّم السلاح.
“حربٌ على العقول قبل البنادق: تفكيك مشروع نزع فكرة المقاومة”
وفي هذه المرحلة، سيبدأ عملاء المشروع الأميركي–الإسرائيلي من بعض رجال الدين التابعين للسلطة، أو تجار الدين، والإعلاميين المرتزقة، وبعض المثقفين “المقاولين”، والخائفين، في الترويج لأفكار “السلام” و”التطبيع” مع إسرائيل، ورفع شعارات مثل “حب الحياة”، و”الرفاهية الاقتصادية”، و”السياحة”، وزرع فكرة عبثية المقاومة المسلحة، وأن من يحمي الشعوب هي القرارات الدولية، والشفقة الأميركية، والعهود الإسرائيلية الوهمية!
وإذا صحَّ ما نُشر عن موافقة “حماس” على التنازل عن الحكم في غزة وتسليم السلاح والتحوّل إلى حزب سياسي مقابل وقف الحرب، وإدخال المساعدات الغذائية، وإعادة الإعمار (غير المضمونَين)، ومنع التهجير (غير المضمون أيضًا)، فإن ذلك سيكون انتصارًا لفكرة نزع “فكرة المقاومة المسلحة” من عقول العرب والمسلمين. وسيُطرح السؤال الخبيث، من قِبل المرجفين والعملاء:
ماذا جنت المقاومة المسلحة في فلسطين، سوى الخراب والدمار والمجازر، من دون أي مكسب سياسي، بينما جنت السلطة الفلسطينية – المتعاونة مع الاحتلال – الأمن، والرواتب، والإنترنت السريع، والقصور؟
وماذا حققت المقاومة في لبنان، سوى التدمير والخسائر والمجازر، والاستباحة الإسرائيلية للجو والبر، وتفجير الأنفاق، وتدمير الأسلحة المصادَرة؟
الأخطر من كل ذلك، أن الدفاع عن فكرة المقاومة عمومًا، والمقاومة المسلحة خصوصًا، لا يرقى إلى مستوى الهجوم الأميركي–الإسرائيلي وأتباعه، بسبب القصور والتقصير والحصار المفروض على حركات المقاومة، ما يجعل الحرب الثقافية والإعلامية تميل لصالح المشروع المعادي.
إن نزع السلاح يشكّل خطرًا مرحليًا يمكن تعويضه خلال أيام أو شهور. أما نزع “الفكر المقاوم”، فيُعدّ خطرًا وجوديًا عميقًا، يحتاج عقودًا لإعادة ترميمه. فعندما يستسلم العقل ويعتاد العبودية والسلام المذلّ، لن يحمل بندقية بعد اليوم، بل سيقاتل من أجل نزع بندقية أي مقاوم، وسيتحوّل إلى مخبر وعميل وخادم للمشروع الأميركي–الإسرائيلي، كما نشهد الآن في لبنان وفلسطين وسوريا.
في لبنان، كان الجيش ممنوعًا من قتال إسرائيل، واليوم يُؤمَر بتدمير سلاح المقاومة، على نفقة الدولة! والمفارقة أن على المقاومة أن تسعف جرحى الجيش “المقهورين”، وهم في الوقت نفسه يُفجّرون أسلحتها ويدمّرون مواقعها!
إذا كانت المقاومة المسلحة غير ممكنة في هذه اللحظة، لأسباب استثنائية، فلابدّ من رفع وتيرة المقاومة الثقافية، لمنع الانهيار النفسي، والإحباط المعنوي، وحالة الانكسار التي تُصيب جمهور المقاومة. كما يجب حفظ الفكر المقاوم والعقل المقاوم، لضمان بقاء اليد المقاوِمة في المستقبل.
