سلاح المقاومة… “البحصة” التي تمنع ولادة الشرق الأوسط الكبير!
بقلم: الدكتور نسيب حطيط
لا يزال سلاح المقاومة الصادق والثابت على المبادئ في لبنان يشكّل العائق الأساسي أمام المشروع الأميركي – الإسرائيلي الهادف إلى تغيير معالم الشرق الأوسط، وولادة ما يسمّى بـ”الشرق الأوسط الكبير”، وهو الاسم المعاصر لـ”إسرائيل الكبرى”. هذا المشروع الذي منعت المقاومة اللبنانية ولادته عام 2006، بعدما أعلنت كونداليزا رايس أن هدف الحرب هو “الولادة الجديدة” للمنطقة.
ورغم الضربات القاسية والمؤلمة واغتيال قائدها “السيد الشهيد”، ما زالت المقاومة قادرة على إجهاض المشروع الأميركي – الإسرائيلي، الذي يحشد اليوم كل أدواته ضد هذا السلاح. فقد جُنّدت الدولة اللبنانية وأجهزتها ومؤسساتها الأمنية والمالية، مدعومة من أحزاب اليمين المسيحي وبعض المتساقطين من المسؤولين اللبنانيين – أو من سيتساقطون لاحقًا – إلى جانب بعض الحلفاء الماكرين وأهل الغدر.
لم تسقط المقاومة في حرب الـ33 يومًا، ولم تنكسر بعد اغتيال قائدها، ولا بعد سقوط 25 ألف شهيد وجريح وتدمير القرى. لكن المشروع الأميركي نجح في تسجيل نقطة كبيرة، نتيجة انشغال المقاومة، فسقطت سوريا في أيام، بعد أن كانت قد صمدت لثلاثة عشر عامًا بفضل دعم المقاومة.
اضطرت أميركا إلى التفاوض مع إيران، واضطرت إيران إلى الدخول في مفاوضات مع “الشيطان الأكبر”، بعدما أنهكت المقاومة في لبنان. واليوم، تعمل أميركا على تهدئة كل الجبهات: حيّدت العراق، فاوضت إيران، أسقطت سوريا، تدخلت عسكريًا في اليمن، وأسكتت جبهة غزة… لتتفرغ لمحاربة المقاومة ونزع سلاحها في لبنان، اغتنامًا لما تراه فرصة ذهبية لاجتثاث المقاومة التي قد لا تتكرر في حال فشلها.
تعتقد أميركا، بشكل يقيني، أن سلاح المقاومة وأهلها في لبنان يشكّلون العقبة الأساسية أمام ولادة “إسرائيل الكبرى”، أو “الشرق الأوسط الكبير”، أو “صفقة القرن”، وكل المشاريع الأميركية التي تهدف إلى السيطرة على المنطقة، والتخلّص من المعارضين، وإلغاء فكرة الكفاح والمقاومة المسلحة.
فـ:
لن تستقر إسرائيل إذا بقي السلاح المقاوم في لبنان.
لن تستقر سوريا إذا بقي السلاح المقاوم.
لن يُفرض التوطين للفلسطينيين إذا بقي السلاح المقاوم.
لن يُجنَّس النازحون السوريون إذا بقي السلاح المقاوم.
لن يبقى فكر المقاومة المسلحة إذا نُزع هذا السلاح.
كما أن أميركا لن تستطيع تحويل لبنان إلى مقرّ “قيادة المنطقة” لإدارة الشرق الأوسط الكبير، وتحويله إلى معهد لتخريج زعماء المعارضة العربية، على غرار “الجولاني” و”أبو بكر البغدادي” و”الزرقاوي”، الذين درّبتهم في سجن “بوكا” في العراق. سيكون لبنان الجديد، إذا ما تمّ ذلك، “بوكا ليبانون” الأميركي، الناعم والذكي.
أيقظ الأميركيون “المومياءات” السياسية في لبنان، وحشدوا كل أدواتهم ضد “السلاح النووي اللبناني” – أي سلاح المقاومة. حتى بات الملف النووي الإيراني يبدو هامشيًا بالمقارنة، إذ يمكن التفاوض حوله والقبول به، مقابل رفض مطلق للحوار حول سلاح المقاومة في لبنان.
تريد أميركا القضاء على هذا السلاح، ثم الانقضاض على ما تبقّى من محور المقاومة، وفي طليعته “إيران” وملفها النووي، مع إعادة اجتياح العراق وفرض “المساكنة” مع “سوريا الجولاني”، وإعطائها أمانًا مزيّفًا.
لكن المقاومة لم تنتهِ، ولم تُهزم، ولن تستسلم. إنها تداوي جراحها، وترمّم بنيتها، وتتمركز في “كمين استراتيجي” قد يطول لأشهر أو سنوات، تتحضّر فيه لتوجيه الضربة المضادة، واستعادة قواعد الاشتباك والردع، وانتزاع لبنان من فم التمساح الأميركي.
لقد أثبتت الوقائع أن “بحصة المقاومة” في لبنان كانت تسند “خوابي” محور المقاومة بأكمله، كما قال نتنياهو عن قائدها الشهيد بأنه “محور المحور”. وعندما أصيبت المقاومة وأهلها بضربات قاتلة، سقطت سوريا، وفاوضت إيران، وحيّد العراق، وتنازلت حماس عن حكم غزة، ويفاوضها الوسطاء الآن لتسليم سلاحها، تمهيدًا لطرد قياداتها من لبنان، وتفكيك ذراعها العسكري… فالضاحية لم تعد ملجأ آمنًا.
ستكون “بحصة المقاومة” في لبنان الهدف الرئيس للمرحلة الثانية من المشروع الأميركي – الإسرائيلي، وسينحصر دور المقاومة في حماية لبنان وتحريره وحماية أهله.
لا تزال “بحصة المقاومة” الشجاعة والصلبة التي لا تنكسر، قادرة على كسر بيت الزجاج الأميركي – الإسرائيلي، الذي يحتضن “جنين” الشرق الأوسط الكبير، أو “إسرائيل الكبرى”.