بعد سبعة أشهر من بدء الحرب الإسرائيلية الرابعة، والضربات القاتلة التي تعرّضت لها المقاومة وأهلها منذ مجزرة “البايجر”، واغتيال “السيد الشهيد” والقيادات العسكرية للمقاومة، وحرب الـ66 يوماً، وما أعقبها من وقفٍ لإطلاق النار من طرف المقاومة، بالتزامن مع استباحة إسرائيلية لكل لبنان، لمطاردة واغتيال المقاومين في سياراتهم المدنية وبيوتهم بعيدًا عن الجبهة، وهم عزّلٌ من السلاح.
بعدما استطاعت المقاومة إفشال الاجتياح البري ومنع العدو من تحقيق أهدافه، بدأت الحرب السياسية والإعلامية ضدها، بقيادة “الحاكم الإداري الأميركي”، وبعض أحزاب وشخصيات اليمين المسيحي، والطحالب الإعلامية الهامشية، التي حاولت حصر مشاكل لبنان في سلاح المقاومة، متجاهلة الاحتلال الإسرائيلي، والحصار الأميركي والعربي، وفساد الطبقة السياسية التي حكمت لبنان، ف impoverished the Lebanese people، وسرقت ودائعهم، وخرّبت النظام العام، وأبعدت الكفاءات، وعمّمت ثقافة الرشوة والمحسوبية.
كانت المقاومة وأهلها بحاجة لفترة استشفاء من الجروح العميقة التي أصابتهم، ولإعادة تجميع القوى واستيعاب الهجوم المتعدّد المحاور، خاصة بعد سقوط سوريا، وإضعاف غزة حتى حدّ الابتزاز الكامل وفرض الشروط. وقد مضى على هذه الفترة العلاجية وترميم البُنى والهيكليات التنظيمية والعسكرية “خمسة أشهر”، وربما تحتاج لأشهر أخرى.
يمكن القول إن المقاومة وأهلها بدأوا بالصعود من قعر البئر، ولو بشكل بطيء، بالتزامن مع نزول التحالف الأميركي-الإسرائيلي من أعلى القمة، وببطء أيضاً. وقد تجلّى هذا النزول الأميركي وصعود قوى المقاومة على النحو الآتي:
اعتراف العدو وحلفائه بعدم تدمير السلاح أو القضاء على المقاومة، لأنهم لا زالوا يطالبون بتسليم السلاح أو نزعه، ما يعني اعترافهم بأن المقاومة لا تزال قوية ولم تنتهِ، خلافاً لما يدّعيه السذّج أو العملاء في لبنان. وإلا، فكيف يمكن مطالبة المقتول بتسليم سلاحه؟
استطاعت المقاومة، بصبرها وحكمتها وعقلانيتها، أن تبرّر سبب وجودها، وتكشف خداع العدو الإسرائيلي وعدم التزامه بالاتفاقات والعهود، والعجز والنفاق الدولي، وضرورة عدم المراهنة على وعودهم بعدم الاعتداء على لبنان. وقد أكد قائد الجيش اللبناني ومجلس الوزراء اللبناني على تعاون المقاومة والتزامها بوقف النار، وأن المشكلة تنحصر بتمرد العدو وعدم تنفيذه للاتفاق، وأن الخلل يتعلّق بالعدو لا بالمقاومة، خلافاً لما يروّجه عملاء إسرائيل في الداخل.
بدء المفاوضات الأميركية–الإيرانية بعد وصول الوضع إلى حافة الحرب (وهذا لا يعني انتفاء إمكانية وقوعها أو شنّ هجوم إسرائيلي)، لكن مجرد بداية المفاوضات يُعدّ بمثابة إعلان أميركي–إسرائيلي عن العجز عن توجيه ضربة لإيران، والاتجاه نحو التفاوض، الذي اضطُرّت إليه إيران بعد تحييد المقاومة في لبنان.
دخول العراق على خط دعم المقاومة في لبنان على المستويين الرسمي و”الحشد الشعبي”، وفق ما تقوم به الحكومة العراقية من تفاهمات مع النظام الجديد في سوريا، بشأن حماية الشيعة والعلويين والمقامات المقدسة، ومحاولة مقايضة التعاون العراقي–السوري بعدم الاعتداء على أهل المقاومة في البقاع، وتهديد “الحشد الشعبي” بالوقوف مع المقاومة في أي حرب جديدة، مما يُريح المقاومة من تشتيت قواها.
إعلان “أنصار الله” في اليمن الوقوف الميداني مع المقاومة، ووضع الصواريخ اليمنية في خدمة المقاومة، تعويضاً عن خسارة خط الإمداد بعد سقوط سوريا.
بدأت المقاومة وأهلها الخروج من النفق، للبدء بالهجوم المضاد إعلامياً وسياسياً وأمنياً في المرحلة الأولى، والتحضير للمرحلة الثانية على المستوى العسكري إذا اقتضت الضرورة، بالتزامن مع فتح الأبواب للحوار حول الاستراتيجية الدفاعية والأمن القومي اللبناني، الذي لا يرتكز على نزع سلاح المقاومة، بل على إدارة هذا السلاح، بالتعاون بين المقاومة والدولة اللبنانية، وحصر وظيفته بالدفاع عن لبنان دون أي مهمة إسناد إقليمية، كما فعل سابقاً بحكم الضرورة.
انتهت مرحلة التراجع إلى الخلف، والصمت، والامتناع عن الرد، وبدأت مرحلة رفع الصوت، والرشق بالحجارة لإسكات عملاء إسرائيل في الداخل، ومتابعة التحضير لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية، إذا لم تتوقف عن استباحة لبنان بالقصف والاغتيالات.