هل تكرّر إسرائيل تجربة “دولة سعد حداد” مع دروز سوريا؟
بقلم: د. نسيب حطيط
يعيد العدو الإسرائيلي استنساخ تجاربه السياسية وخطط حروبه السابقة، مُراهناً على غباء العرب وعدم تصحيحهم لأخطائهم السياسية والعسكرية، التي انتهى أغلبها بالهزائم، والتي يُلطّف توصيفها بعناوين كـ”المفاوضات”، و”اتفاقيات السلام”، و”وقف النار”، وصولاً إلى “مبادلة الأرض بالسلام”، وهي معادلة لم تقبل بها إسرائيل، وتجاوزتها لفرض مبادلتها بالبقاء في الحكم، والكرامة، والحقوق…
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
بدأ مشروع تقسيم العالم العربي من لبنان عام 1975، حين كلّف العدو الإسرائيلي قوى اليمين المسيحي بإشعال الحرب الأهلية ضد المقاومة الفلسطينية، التي – بتجاوزاتها وتدخلها في الشأن اللبناني – أعطت المبررات الظاهرة لحزب الكتائب وحلفائه، وبالتحريض والتسليح الإسرائيلي، لإشعال الحرب. وقد تراكمت أخطاء الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية، من خلال الشعارات (كشعار “طريق القدس يمر من جونية”) والسلوكيات الميدانية، فجاء الرد على اعتداءات الكتائب في الجنوب بطريقة انفعالية، غير عقلانية ولا إنسانية في بعض القرى، ما منح إسرائيل الذريعة لتنفيذ مشروعها التاريخي بالوصول إلى الليطاني، من بوابة “حماية المسيحيين”. وهكذا أسست إسرائيل “دولة لبنان الحر” بقيادة سعد حداد، أي الحزام الأمني للاحتلال، الذي نجحت المقاومة في إسقاطه عام 2000، بعد ثمانية عشر عامًا من النضال.
اليوم، يعيد العدو الإسرائيلي استنساخ تجربته في لبنان مع المسيحيين، ولكن هذه المرة لإعلان “دولة سوريا الحرة” في المناطق الدرزية، حيث تمنح الجماعات التكفيرية والنظام الجديد في سوريا (بحسب وظيفته) المبرر لفتح أبواب التدخل الإسرائيلي، المُخطط له مسبقًا، والذي يهدف إلى تقسيم سوريا. وقد بدأت المجازر ضد الأقليات تحت عنوان “فلول النظام”، وبدأت بالعلويين في الساحل، الذين، رغم الدماء التي لا تزال تُسفك في قراهم ومدنهم، ورغم عمليات الخطف والاغتيال والتهجير، صمدوا وثبتوا على وطنيتهم ومبادئهم، ولم يطلبوا الحماية من إسرائيل حتى الآن. ونناشدهم ألّا يفعلوا، مهما اشتدت التضحيات، خاصةً أن الجماعات التكفيرية، بقيادة تركيا وبعض دول التطبيع العربي، ستمارس المزيد من الضغط عليهم، لعلهم يستنجدون بإسرائيل.

تستكمل الجماعات التكفيرية مهمتها ضمن المشروع الأميركي – الإسرائيلي لتقسيم سوريا، فتعمد إلى محاصرة الدروز السوريين و”تكفيرهم”، وتمنع تنقلهم، وتضيق عليهم في جامعاتهم، بالتوازي مع اختراقات إسرائيلية للمجتمع الدرزي، تتكامل مع المشروع التكفيري من جهة، لتجعل من إسرائيل “المنقذ” الذي تُطلب منه الحماية. للأسف، هذا المشروع الإسرائيلي يُحرز بعض التقدم ميدانيًا وسياسيًا، بعد فتح الحدود أمام دروز إسرائيل (الفلسطينيين)، واستحداث “البوابة الدرزية” في الجولان، التي تشبه “بوابة فاطمة” في جنوب لبنان.
أعلن المسؤولون الإسرائيليون أن حربهم لن تنتهي إلا بتقسيم سوريا، وها هي رياح هذا التقسيم بدأت ترسم خطوطها ميدانيًا، بدءًا من مؤتمر الأكراد السوريين الذي طالب بالنظام الفيدرالي، وصولاً إلى تهديد الدروز بالانفصال، إن لم تُفتح أمامهم أبواب الشراكة في النظام الجديد، مع ضمانات بالحماية وعدم التعرض للمجازر والسبي. وفي المقابل، يصبر العلويون على ما يتعرضون له، بانتظار أن يوقف النظام الجديد المجازر، أو أن تتدخل روسيا أو أي دولة أخرى لحمايتهم، وإعطائهم “إقليمهم” ضمن الفيدرالية السورية القادمة.
ستتصاعد الفوضى السورية لترسم جغرافيتها السياسية، فيدرالية كانت أم فوضوية، وستتمدد إلى الدول المجاورة، ومنها لبنان. وفي حال تنازلت الدولة اللبنانية عن مزارع شبعا وكفرشوبا واعتبرتهما أراضي سورية، فإن دروز لبنان، وخصوصًا دروز حاصبيا وراشيا، سيصبحون جزءًا من “الدويلة الدرزية” المرتقبة، الواقعة على مثلث الجغرافيا السورية – اللبنانية – الفلسطينية. وقد يتبع ذلك تغييرات ديموغرافية تهجر دروز الجبل، لإلحاقهم بالدولة الجديدة، إذا انتفت جدوى بقائهم، ولتوسيع “الإقليم المسيحي” المحيط بسفارة عوكر، الذي قد يتحول إلى “إقليم عوكر”.
يعتبر البعض أن احتمال قيام إمارات ودويلات جديدة وعمليات تهجير ديموغرافي في المنطقة هو أمر مستبعد أو خرافة. لكن الخرافة الحقيقية، هي عدم التصديق بوقوع ذلك، ما دامت هذه الأمة مهزومة، ومشرذمة، ومتآمرة على ذاتها، تغدر وتقتل وتفرح بموت أبنائها.
لا يزال الوقت متاحًا لإعادة تجميع القوى في هذه الأمة المُنهكة والمُشردة، لحفظ ما تبقى منها، ومنع تنفيذ مشاريع التقسيم والتجزئة التي تتسارع خطواتها.
