التعيينات في ”تلفزيون لبنان“: تغييب الشفافية وإقصاء 68 مرشحًا يفتح باب الغضب والشكوك!
في مشهد يعكس هشاشة العمل المؤسساتي واستمرار منطق المحاصصة في الدولة اللبنانية، تفجّرت خلال الأيام القليلة الماضية أزمة جديدة تتعلق بملف التعيينات في تلفزيون لبنان، تحديدًا في ما يخص منصب المدير العام. فقد تفاجأ الوسط الإعلامي والثقافي، ومعه الرأي العام، بقرار يقضي بإقصاء 68 مرشحًا كانوا قد تقدموا رسميًا بطلباتهم لشغل هذا المنصب، ليُحصر الخيار في النهاية بمرشحتين فقط، جرى استدعاؤهما إلى مقابلة نهائية، إحداهما، وفق معلومات متداولة على نطاق واسع، تحظى بدعم سياسي قوي.
هذا التطور المفاجئ أثار موجة من الاستياء، إذ عبّر المرشحون المُقصون عن غضبهم الشديد من الطريقة التي تم فيها التعاطي مع هذا الملف الحساس، معتبرين أن ما حدث يشكّل انقلابًا على مبدأ الكفاءة، وضربًا واضحًا لمفاهيم الشفافية، وتكافؤ الفرص، ومصداقية الإدارة العامة. إذ لم تُعلن المعايير التي استُخدمت في الفرز، ولم يتم تبرير استبعاد العدد الهائل من المرشحين الذين تقدموا بسيرهم الذاتية مدعّمة بخبراتهم ومشاريعهم التطويرية.
مرشحتان فقط… ولماذا؟
اللافت أن المقابلات تمّت مع مرشحتين فقط، من أصل 70 متقدمًا ومتقدمة، ما عزز الانطباع بأن القرار كان محسومًا سلفًا، وأن العملية لم تكن أكثر من إجراء شكلي لتغطية اختيار سياسي معدّ مسبقًا. وبحسب مصادر متابعة، فإن إحداهما مدعومة بشكل واضح من جهة سياسية وازنة، ما جعل المنافسة غير متكافئة، وعمّق الإحساس بالتهميش لدى بقية المتقدمين الذين استُبعدوا دون أي تفسير رسمي.
آلية التعيين: تجاهل متكرر للمعايير!
المفارقة الكبرى أن هذا المشهد لا يشكل سابقة، بل يكرّر النمط الذي طُبّق قبل حوالي شهرين، عندما قام وزير الإعلام بول مرقص برفع أسماء محددة مباشرة إلى مجلس الوزراء لتعيينها في مناصب اعضاء مجلس إدارة ومدير عام في تلفزيون لبنان، من دون أن يستند هذا التعيين إلى آلية مؤسساتية شفافة أو معايير تنافسية. فقد تم تجاهل الخطوات الإدارية التي يُفترض أن تتضمن إعلانًا علنيًا، تلقي الطلبات، تقييمًا موضوعيًا للمرشحين، ومقابلات حيادية بإشراف لجنة مستقلة.
صوت المرشحين المُقصين: لا لسياسة الإقصاء الممنهج!
المرشحون الـ68 الذين تم استبعادهم، والذين يمثلون طيفًا واسعًا من الكفاءات الإعلامية، والأكاديمية، والإدارية، لم يقفوا مكتوفي الأيدي. فقد بدأ بعضهم بتحضير تحركات قانونية وإعلامية احتجاجًا على ما وصفوه بـ”الإقصاء الممنهج” و”العملية المعلّبة”، معتبرين أن حصر التعيين بشخصية مدعومة سياسيًا هو تكرار لمسار أضر بمؤسسة تلفزيون لبنان سابقًا، ويهدد ما تبقى من صورتها كمؤسسة وطنية جامعة.
وقد أكد عدد منهم أن الملفات التي بحملونها تتضمن برامج إصلاحية وتصورات استراتيجية لإعادة النهوض بتلفزيون لبنان، وأن تجاهلها بهذه الطريقة يدل على غياب أي نية حقيقية للإصلاح أو التغيير الجذري.
إلى أين يتجه تلفزيون لبنان؟
هذه الأزمة فتحت الباب مجددًا أمام النقاش العميق حول مستقبل تلفزيون لبنان، الذي يعاني منذ سنوات من الترهل الإداري، وضعف التمويل، وغياب الرؤية. فبدل أن يشكل ملف تعيين مدير عام جديد فرصة لإنعاش المؤسسة عبر ضخ دماء جديدة قائمة على الكفاءة والرؤية المهنية، تحوّل إلى مساحة جديدة للصراع السياسي وتصفية الحسابات.
وفي ظل غياب توضيحات رسمية من الجهات المعنية، يطالب الإعلاميون والناشطون وأعضاء المجتمع المدني الحكومة اللبنانية ووزارة الإعلام بإعادة فتح الملف وفق أسس شفافة وعادلة، وبالاستناد إلى آلية واضحة تحترم القواعد القانونية، وتعيد الاعتبار لحق اللبنانيين في مؤسساتهم العامة.
خاتمًا، فإن الطريقة التي أُدير بها ملف التعيينات في تلفزيون لبنان تشكّل جرس إنذار إضافي حول ضرورة بناء مؤسسات الدولة على أسس الحوكمة الرشيدة والمهنية، لا على منطق النفوذ والولاءات. فالإعلام العام ليس مساحة للترضيات، بل هو منبر يفترض أن يُجسّد صوت الناس وتطلعاتهم، وهذا لن يتحقق ما لم يُعِد المعنيون النظر في مجمل آلية التعاطي مع هذا الملف وغيره من ملفات الدولة المتعثرة.
