جمر تحت الرماد: الشرق الأوسط بين تصعيد إقليمي ومناورة دولية!
انضم الآنتابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
| علي ديب ــ شبكة ZNN الٳخبارية |
الشرق الأوسط يعيش أسبوعًا بالغ الأهمية، حيث تتسارع وتيرة الأحداث بشكلٍ ينذر بتحوّلات كبرى. المفاوضات الأمريكية الإيرانية تقترب من مفترق طرق حاسم، بينما يتابع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المشهد عن كثب، بعينٍ ترصد نتائج التفاهمات الدولية، وعينٍ أخرى تترقب تطورات الجبهات في اليمن ولبنان وسوريا. فهل ستقود ضغوط الداخل الإسرائيلي نتنياهو نحو خيار التصعيد العسكري، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد منعطفًا دبلوماسيًا غير متوقّع؟
منذ أسابيع، تتصاعد وتيرة التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران على وقع المفاوضات النووية الجارية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية. هذه المحادثات التي تشهد جولات من المراوغة ومحاولات واضحة من كلا الطرفين لكسب الوقت، تعكس حجم التعقيد والتوازن الحرج بين قوتين تمتلك كل منهما أوراق ضغط فاعلة على الأخرى.
في المقابل، يقف بنيامين نتنياهو مترقّبًا، لا يُخفي حلمه القديم بضرب المنشآت النووية الإيرانية. يسعى بكل ما أوتي من وسائل لإفشال هذه المفاوضات، آملاً أن تُفتح أمامه نافذة للهجوم دون الاصطدام بالموقف الأميركي. فرغم العلاقة الوثيقة بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن موازين القوة تبدو أحيانًا مقلوبة: فإرضاء إسرائيل بات أولوية للولايات المتحدة، وليس العكس.
ومع اقتراب المفاوضات من لحظة الحسم، تتعاظم احتمالات توجيه ضربة إسرائيلية قريبة، مدفوعة أيضًا بما اعتُبر إنجازًا استخباراتيًا إيرانيًا كبيرًا في الأيام الماضية. ضربة، إن وُجهت، فقد تكون فاصلة: قادرة على نسف الاتفاق إن عُقد، أو تأجيله لسنوات إن لم يُكتب له النجاح.
أما في اليمن، ذلك البلد الذي لم يبرأ بعد من جراحه، فهو يثبت يومًا بعد يوم أنه حاضر بقوة في معادلة الصراع الإقليمي، وخصوصًا في معركة غزة. “اليمن السعيد”، كما يُحب أن يُعرّف نفسه، بات رمزًا لصمود لا يُكسر، وعنوانًا لدعم لا يتزحزح. فاليمنيون، كما تظهر المشاهد في الإعلام وعلى منصات التواصل، يقفون بثبات إلى جانب المقاومة الفلسطينية، حتى لو اضطروا ـ كما يقولون ـ إلى القتال “بلحمهم الحي”.
التحول الكبير في المشهد جاء بعد ما يعتبره اليمنيون انتصارًا نوعيًا على الولايات المتحدة في معركة البحر الأحمر، حيث نجحوا في فرض واقع جديد أرغم واشنطن على القبول باتفاق لخفض التصعيد البحري. هذا الإنجاز عزز ثقتهم بأنهم قادرون على مواجهة الكيان الصهيوني أيضًا، بل وإذلاله كما فعلوا بغيره، وفق تعبيرهم.
وفي هذا السياق، لم يكتفِ اليمنيون بالدعم المعنوي، بل دخلوا فعليًا في معركة كسر التوازن، فقبل أيام توعّد أحد كبار مسؤوليهم سلاح الجو الإسرائيلي، مُعلِنًا أن طائراته الحربية “ستُصبح أضحوكة للعالم”. وعلى الأرض، تُرجمت هذه التصريحات إلى فعل مباشر، إذ أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن الضربة التي استهدفت مطار اللد كانت ردًا مزدوجًا: دعمًا لغزة، وانتقامًا لاستهداف الضاحية الجنوبية في بيروت.
هذا التصعيد اليمني يُعد مؤشرًا واضحًا على نية صنعاء نقل المواجهة إلى مستويات جديدة، هدفها ليس فقط دعم المقاومة الفلسطينية، بل أيضًا ردع الكيان الصهيوني عن استهداف أي من فصائل محور المقاومة في الإقليم. إنه تحرك محسوب في توقيت بالغ الحساسية، يكرّس اليمن كلاعب لا يمكن تجاوزه في المعادلة القادمة.
في كل من سوريا ولبنان، تتقاطع المؤشرات وتتقارب الظروف إلى حدٍّ بعيد، خصوصًا في ظل الزيارات المتكررة للمبعوثين الأمريكيين إلى العاصمتين. الرسالة الأمريكية واحدة: اليد ممدودة، لكن بشروط مُلغّمة، تنطوي على مسارات تطبيعية واضحة، وتسعى في جوهرها إلى تفكيك بنية المقاومة، أو ما تسميه واشنطن “الفصائل الموالية لإيران”.
في سوريا، تبدو الأمور أكثر مرونة من وجهة النظر الأمريكية، خاصةً بعد التحوّلات العميقة التي شهدها النظام هناك. فالرئيس الجديد، أحمد الشرع، الذي خلف الرئيس السابق بشار الأسد، يُنظر إليه على نطاق واسع كشخصية مقبولة خليجيًا، ومرحب بها غربيًا وأمريكيًا. البعض يصفه بصراحة بأنه أحد “أدوات” واشنطن في المشرق، مما يُفسر التوقعات المتزايدة بإمكانية تطبيع قريب بين دمشق وتل أبيب، ربما بين شهري آب وكانون الأول من هذا العام، ما لم تطرأ تطورات إقليمية غير متوقعة تُربك الحسابات الأمريكية وتُضعف موقفها في الشرق الأوسط.
أما في لبنان، فالمشهد أكثر حساسية وتعقيدًا. البلد يقف على حافة مفترق طرق، والمقاومة ـ وعلى رأسها حزب الله ـ تتعامل مع المرحلة بحذر بالغ. فبعد معركة طويلة وشرسة خاضها الحزب على الحدود، خرج منها منتصرًا رغم شراسة العدو، مثبتًا مرة أخرى قدرة الإنسان والموقف على مجابهة أعتى آلات القتل والتكنولوجيا العسكرية في العالم. لقد أجهض صمود الجنوب اللبناني حلم نتنياهو بإعادة احتلال جنوب الليطاني، وإقامة مستوطنات جديدة تُوسّع حدود كيانه المؤقت وغير الشرعي.
في الأسابيع الأخيرة، شهد لبنان تصعيدًا خطيرًا تمثّل في انتهاكات متكررة للسيادة الجوية، من الجنوب إلى البقاع وحتى العاصمة بيروت، بطائرات مسيّرة ومقاتلات إسرائيلية، إلى جانب تهديدات صريحة واستهدافات مباشرة. كانت أبرزها العدوان على الضاحية الجنوبية قبل أيام، حيث قصف الاحتلال قرابة ثمانية مبانٍ سكنية وسط مناطق مكتظة بالمدنيين، دون أي طابع عسكري ظاهر، في محاولة لإحداث صدمة نفسية وتكثيف الضغط السياسي.
ولم يلبث وزير الحرب الإسرائيلي أن خرج ليُعلن بأن “بيروت لن تنعم بالاستقرار” ما لم تنفّذ الدولة اللبنانية “المطلوب” منها. هذه التصريحات، مضافة إلى حجم العدوان، توحي بأن وتيرة الاستهدافات مرشحة للتصاعد، ولا يُستبعد أن تتكرر الضربات على الضاحية الجنوبية خلال الأسابيع المقبلة، وربما أكثر من مرة.
في المقابل، تواصل المقاومة في لبنان مراقبة المشهد بدقة، تعمل بصمت على التقييم، الترميم، والاستعداد. وكما اعتدنا، فإن الرد، حين يأتي، سيكون محسوبًا، موجعًا، وفي الزمان والمكان اللذين تختارهما هي، لا العدو. هذه المقاومة التي أثبتت مرارًا قدرتها على فرض المعادلات، لا تزال كما كانت: قوية، ثابتة، وصاحبة الكلمة الأخيرة عندما تُستباح خطوطها الحمراء.
هذه التطورات بمجملها تضع الدولة اللبنانية أمام معضلة كبيرة، وتُمهّد الأرض أمام المقاومة لتؤكّد مجددًا أنها لا تزال الرقم الأصعب، القادر على رسم مسار الأحداث في المنطقة.
وختامًا، فإن كل ما يجري في الجبهات من تصعيد وتحديات يتردد صداه داخل الكيان الصهيوني نفسه. فحين يرى المستوطنون أن المقاومة في لبنان لا تزال فاعلة، وأن صواريخ اليمن تُبقيهم في الملاجئ، وأن جنودهم يعودون من الميدان في التوابيت، بينما يُمعن نتنياهو في ملاحقة مصالحه السياسية الضيقة، فإن الضغوط الداخلية ستتصاعد عليه بصورة غير مسبوقة. وحينها، قد يجد نفسه مضطرًا لإطلاق مغامرة عسكرية جديدة، بضربة كبرى ضد إيران، والعودة للحرب في الشمال، في محاولة لإعادة خلط الأوراق وكسر حالة الإرباك.
لكن هذه المرة، المعركة لن تكون كسابقاتها. الوجوه عديدة، والجبهات متعددة، والمفاجآت قادمة من حيث لا يتوقع أحد… ومنها، ربما، “المقاومة السورية” التي ستكشف عن لثامها مع الأيام…
