واشنطن تخشى فقدان السيطرة وتُمهّد لفوضى كبرى في سوريا والعراق/ د. نسيب حطيط
فجأة، ومن خارج السياق السياسي والأمني المعتاد، صرّح المبعوث الأميركي إلى سوريا “توم باراك” بأن الولايات المتحدة تخشى من اغتيال “أبو محمد الجولاني”، متزعم “هيئة تحرير الشام”، متهمًا الجماعات التكفيرية الأجنبية بالوقوف خلف التهديد.
المفارقة أن واشنطن نفسها كانت قد طلبت من الحكومة السورية ترحيل هؤلاء المتشددين، قبل أن تعود وتوافق على دمجهم في فرقة خاصة تابعة لما سُمّي بـ”الجيش السوري الجديد”.
بالتزامن مع هذا التصريح المريب، أعلنت الولايات المتحدة السماح لعائلات الجنود والموظفين الدبلوماسيين بمغادرة الشرق الأوسط، وإخلاء سفارتها الكبرى في بغداد، مع الإبقاء على عدد محدود من العاملين الأساسيين. أما الذريعة، فهي “مخاوف من تدهور الأوضاع في المنطقة”، تحسبًا لانهيار المفاوضات النووية مع إيران، أو إقدام إسرائيل على قصف المنشآت النووية الإيرانية بعد قرار منتظر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قد يكون سلبيًا تجاه طهران.
التحذير الأميركي من اغتيال الجولاني – رغم إبقاء الجائزة المالية على رأسه – وإخلاء سفارة بغداد، يعكسان نيّة واضحة بربط الساحتين السورية والعراقية في مشروع واحد. فأي عملية لاغتيال الجولاني قد تغرق الشمال السوري في صراع جديد، في ظل غياب مؤسسات الدولة، وتحويل سوريا إلى “أفغانستان جديدة”، مع فتح الحدود العراقية أمام الجماعات التكفيرية المدعومة أميركيًا، بالتنسيق مع بقايا البعث وبعض الميليشيات السنّية.
يبدو أن الهدف هو إسقاط العراق كما سقطت سوريا، واستكمال تفكيك محور المقاومة، عبر نزع سلاح الحشد الشعبي بعد فشل الحلول السياسية. والسيناريو مشابه لما يجري في لبنان لناحية الضغط على المقاومة وتفكيكها.
لكن السؤال الجوهري يبقى:
-
لماذا تُسرّع واشنطن في اغتيال الجولاني الآن؟
-
ما علاقة هذا الحراك بالمعلومات الاستخبارية الإيرانية حول ملفات نووية وعسكرية باتت في حوزة طهران؟
-
هل انتهت وظيفة الجولاني، ليبدأ فصل الفوضى الشاملة في سوريا؟
-
هل كشفت الوثائق المسربة هوية المشاركين في إسقاط الدولة السورية من الداخل؟
-
وهل تكشف هذه التسريبات عن دور أجهزة استخبارات إسرائيلية وعربية، خاصة في مصر؟
الثابت الوحيد أن الولايات المتحدة تواصل هجومها الشامل ضد محور المقاومة منذ انطلاقة “طوفان الأقصى”، محاولة إنهاء حالة التمرّد الممتدة منذ أكثر من أربعة عقود. محور المقاومة، دولاً وحركات وشخصيات، كان العقبة أمام تنفيذ “صفقة القرن” ومسار التطبيع، وفتح المجال أمام روسيا والصين، قبل أن تتراجع موسكو وتُفوّت الفرصة.
أميركا نجحت، إلى حد ما، في عزل ساحات المقاومة واحدة تلو الأخرى. واستفادت من تردد إيران عن خوض معركة “وحدة الساحات” فعليًا، ما أضعف المقاومة في لبنان، التي وجدت نفسها وحيدة في خندق المواجهة، رغم التزامها الصادق. أما إيران، فقد خسرت جبهة لبنان الحيوية، وهو ما شكّل ضربة استراتيجية لها منذ انتصار الثورة.
ولا بد من التذكير بأن شهر حزيران يحمل دائمًا رمزية الانكسار العربي:
-
نكسة 1967
-
اجتياح بيروت عام 1982
-
سقوط الموصل بيد داعش عام 2014
فهل يُضاف حزيران 2025 إلى لائحة النكسات والهزائم؟
ما زال بإمكاننا الصمود، وتحقيق الانتصارات، أو على الأقل التفاوض من موقع قوّة. ويجب أن نراجع الأخطاء العقائدية والعسكرية والسلوكية، ونسد الثغرات…
فلا استسلام، ولا انهيار… النصر من عند الله، لا بقوتنا، بل بإرادتنا وصبرنا.
حمى الله العراق وإيران من المؤامرات والضربات القادمة.
