“من النشوة إلى الصدمة: صواريخ إيران تُربك إسرائيل وتفجّر الهشاشة الداخلية”
عاشت “إسرائيل” لحظة من النشوة بعد تنفيذ ضربات جوية ضد أهداف في إيران، مساء السبت الماضي، لكن تلك النشوة لم تدم طويلًا، إذ تلاشت فور سقوط الصواريخ الإيرانية الأولى في رمات غان ووسط تل أبيب، في ما يبدو أنه كان محاولة مباشرة لاستهداف مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية (الكرياه).
وفي ذروة النشوة، اعتمدت “إسرائيل” تكتيكًا يقوم على قصف مناطق سكنية قرب منشآت عسكرية في طهران، بغرض الضغط الشعبي الداخلي على النظام الإيراني، وهو نهج ثبت فشله في تجارب سابقة مع غزة ولبنان، ويبدو أكثر عبثية عندما يُطبّق على دولة بحجم إيران وسكانها.
أما شعور “النصر” الذي حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الترويج له – وهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة – فلم يصمد طويلًا، في ظل الضربات الإيرانية المركّزة والخسائر المتصاعدة في الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
حرب الردع تتجاوز الضربة الأولى
بحسب محللين إسرائيليين، فإن الحروب لا تُحسم بالضربة الأولى، بل بنتائجها على الأرض ومع مرور الوقت. فقد أظهرت الصواريخ الإيرانية دقةً عالية، وألحقت أضرارًا جسيمة في تل أبيب الكبرى، حيفا، ريشون لتسيون، بني براك، وبات يام، ما أسفر عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، وتسبّب في ضغط هائل على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وفي تصريحات لوسائل الإعلام العبرية، أشار ضابط رفيع في “الجبهة الداخلية” إلى أن بلاده، ومنذ بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تشهد موقع دمار شامل واحد، بينما سجّلت منذ بدء الرد الإيراني نحو عشرة مواقع بهذا التصنيف.
أما يوسي ميلمان، محلل الشؤون الاستخباراتية في صحيفة “هآرتس”، فقد أكد أن إسرائيل تدفع ثمناً باهظاً داخلياً، رغم قدرات استخباراتها وسلاحها الجوي. وقال:
“التاريخ يُثبت أن هذه القدرات وحدها لا تحسم الحروب، كما رأينا في فيتنام، أوكرانيا، غزة، ولبنان”.
وأشار ميلمان إلى أن إيران، التي تحكمها مؤسسة دينية عميقة الجذور، أثبتت أنها لا تنهار تحت الضغط، مستشهدًا بالحرب العراقية الإيرانية التي صمدت فيها إيران 8 سنوات رغم الأسلحة الكيميائية والقصف المتواصل.
خطر حرب الاستنزاف… ورسائل الصواريخ
يحذر ميلمان من انزلاق “إسرائيل” إلى حرب استنزاف طويلة، قد تُضعف تماسكها الداخلي، مشيرًا إلى أن توسيع الضربات لتطال البنية التحتية للطاقة الإيرانية قد يشعل أزمة نفط عالمية ويستدعي تدخل قوى دولية كالصين لحماية مصالحها.
وفي ظل الضربات المتواصلة، لا تزال الجبهة الداخلية تبدو متماسكة، إلا أن الصبر الشعبي الإسرائيلي ليس مضمونًا، ما يدفع بالمحللين إلى الدعوة لـفتح مسار سياسي برعاية واشنطن، يهدف إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني عبر اتفاق، حتى وإن لم يكن كاملاً كما يطالب نتنياهو.
فخ النشوة وخطر التهور
أما ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، فقد حذر من “فخ النشوة”، معتبرًا أن الإنجازات الإسرائيلية الأولية، وعلى رأسها اغتيال شخصيات أمنية إيرانية بارزة، لا ينبغي أن تُغري بالتهور أو توقع استسلام العدو من الضربة الأولى.
وشدد على أن تدمير البرنامج النووي الإيراني هدف لا يمكن تحقيقه عسكريًا فقط، بل يتطلب مسارًا سياسيًا ناضجًا، محذرًا من جرّ إسرائيل إلى صراع طويل أمام قوة إقليمية صلبة وصعبة المراس.
نتنياهو تحت المجهر
وفي مقال تحليلي بصحيفة “معاريف”، كتب الدكتور نحمان شاي، عميد كلية الاتحاد العبري في معهد القيادة اليهودية، تحت عنوان: “وقت الاختبار لنتنياهو: رأب الصدع الداخلي لهزيمة التهديد الإيراني”، أن التحدي الحقيقي ليس فقط في الجبهة العسكرية، بل في رأب التصدعات السياسية والاجتماعية في الداخل الإسرائيلي.
وشدد الكاتب على أن قيادة واضحة وواعية هي ما تحتاجه إسرائيل الآن، وليس الشعارات أو الخطابات النارية التي تغيب عنها الواقعية.
