لا شيء يشبه المأزق الذي صنعه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم، سوى ما وصفه جوزيف هيلر في روايته الشهيرة “كاتش 22”. هناك، كما هنا، يبدو العقل رهينة حلقة مفرغة من التناقضات، كل قرار يُفضي الى نقيضه، وكل مخرج يفتح باباً أشدّ إغلاقاً.
تتناول رواية “كاتش 22” القيود غير المنطقية التي تُفرض على الجنود خلال الحرب العالمية الثانية. يتم تقديم هذا المفهوم من خلال شخصية الدكتور دانيكا، الطبيب النفسي في الجيش، الذي يستخدم مصطلح “كاتش 22” ليوضح سبب طلب أي طيار لتقييم نفسي حول جنونه. يسعى الطيار لإثبات أنه غير عاقل بما يكفي للطيران، مما يسمح له بالهروب من المهام الخطرة. ومع ذلك، فإن تقديمه لهذا الطلب يُظهر في الواقع سلامة عقله، مما يمنعه من أن يُعتبر مجنوناً. هذه الحالة تعكس معضلة أو موقفاً صعباً لا يمكن الخروج منه بسبب وجود ظروف متعارضة.
وها هي الحلقة النارية التي يدور فيها نتنياهو بفتحه عدة جبهات متتالية ، من غزة الى طهران، للهروب من مأزقه الداخلي، إلا أنه يعود ويقع في مأزق أشدّ خطورة ولا يستطيع الإفلات منه الا بالوقوع بمأزق آخر .
من القضاء على حماس بداية، الى إنهاء تهديد حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، الى الاطاحة بالنظام السوري وصولاً الى ازالة الخطر النووي الإيراني، كما يدعي، حزام جبهات دائري حول خاصرة نتنياهو.
إلا أن الأبرز اليوم، هو قصف الولايات المتحدة الاميركية لمفاعل “فوردو” النووي الايراني في عملية غير مسبوقة، تحت ذريعة منع إيران من الاقتراب من العتبة النووية ، وبالتنسيق الأمني المعلن أو الضمني مع اسرائيل.
هذا الحدث لا يُعتبر مجرد تطور عابر، بل هو بمثابة إعلان عن دخول المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد، قد تؤدي إلى مواجهة شاملة بين محور المقاومة وإسرائيل، مع انخراط مباشر أميركي إيراني.
هنا تتكامل “كاتش22” : نتنياهو الذي أراد القتال للفرار من مشاكله القانونية، أصبح محاصراً في صراع عالمي قد يلتهم إسرائيل داخلياً وخارجياً. الولايات المتحدة التي تدخلت بضربة استباقية، قد وضعت جنودها وقواعدها في المنطقة في مرمى الصواريخ الإيرانية والردود غير المتوازنة. إيران التي تجنبت المواجهة المباشرة قد تجد نفسها مضطرة للرد صوناً لهيبتها وموقعها الإقليمي، خاصة بعد استهداف منشأة نووية مهمة تعد من رموز مشروعها السيادي.
لا يوجد سبيل للخلاص. الصراع لم يعد مقتصراً على غزة، بل بدأ يتشكل على خريطة الشرق الأوسط بأكمله.زنتنياهو، مثلما في قصة “هيلر”، يحاول الهرب من جحيم صنعه بيده، لكنه يجد أن كل منفذ يفتح على فاجعة أعظم. حتى لو تحقق “انتصار عسكري” مؤقت، فالتكلفة السياسية والإنسانية والاستراتيجية ستكون فادحة.
الحرب مع إيران، اذا اشتعلت، لن تشبه أي حرب خاضتها إسرائيل من قبل. إنها مواجهة مع دولة عظمى، لديها وسائل الردع والثبات والتأثير، وتتحرك ضمن محور واسع ومتماسك. وبذلك قد يكون نتننياهو قد ساق المنطقة الى لحظة حقيقية: إما انفجار شامل يغير صورة الشرق الأوسط، وإما انهيار داخل اسرائيل بسبب ضغط الحرب، والخسائر والتشرذم السياسي.
وفي كلتا الحالتين، تبقى الحقيقة الوحيدة: نحن في قلب كاتش 22، والمخرج مغلق.
