ظهرت مؤخرًا لوحة دعائية ضخمة على جدار ناطحة سحاب حديثة في إحدى المدن الخليجية، تحمل عبارة:
“The Abraham Alliance – It’s time for a new Middle East”
وتضم الصورة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، محاطًا بعدد من القادة العرب والإسرائيليين، في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه يحتفي بالسلام الإقليمي والتعاون المشترك.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لكن خلف هذه الصورة الزاهية، تكشف القراءة السيميائية عن سرديات خفية تتعلق بالهيمنة، وإعادة تشكيل الخرائط، وتغييب الشعوب عن مراكز القرار. فالصورة هنا ليست بريئة؛ بل مشحونة برموز تُخفي أكثر مما تُظهر.
المشهد: إعلان سياسي يتقن التنكّر بهيئة لوحة سلام
في قلب الصورة، يَظهر دونالد ترامب بهالة ضوئية تُحيط به، يتوسط القادة وكأنه حجر الزاوية في هذا المشروع، يرافقه ولي عهد السعودية، رئيس وزراء إسرائيل، ملك البحرين، ملك المغرب، والرئيس المصري، وآخرون.
الخلفية الزرقاء الباردة تضفي طابعًا تقنيًا–حداثيًا على المشهد، لكنها تسحب دفء التعددية وتُغيب الشعوب من الصورة.
التحليل السيميائي: ما تقوله الصورة… وما تتعمّد إخفاءه
مركزية ترامب: راعٍ لا شريك
احتلال ترامب للمركز في الصورة ليس تفصيلاً شكليًا، بل رمزية صريحة لدوره في رعاية “اتفاقيات إبراهام” عام 2020. توزيع القادة حوله بتفاوت دقيق في الحجم والموقع يشي بتراتبية غير معلنة، تُرسّخ مركزية القرار الأميركي، مقابل شركاء أقرب إلى “الحضور المؤيد” منهم إلى “الفاعلين”.
تغييب الشعوب: سلام من فوق
لا رايات شعبية، ولا أعلام وطنية، ولا مؤشرات على الإرادة العامة. الصورة تُظهر اتفاقًا يُصاغ خلف الأبواب المغلقة، يُمرّر باسم “السلام”، لكن من دون تفويض شعبي، ومن دون تمثيل ديمقراطي، ما يجعلها مجرّد إسقاط فوقي لمشروع جيوسياسي بأبعاد أمنية واقتصادية.
الاستعارة الدينية: قداسة مصطنعة
يحمل اسم “تحالف إبراهيم” بُعدًا دينيًا واضحًا، مستندًا إلى رمزية النبي إبراهيم الذي يجمع بين الأديان الإبراهيمية الثلاث. لكن هذا التوظيف الديني يخدم غايات سياسية، عبر تسويق تحالفات قائمة على المصالح الجيوستراتيجية، لا على الروابط الروحية أو القيم المشتركة. فهل نحن أمام دين يُوَحّد… أم يُستَغل؟
شعارات مربكة: أي شرق أوسط جديد؟
الشعار “It’s time for a new Middle East” يطرح أكثر مما يجيب:
-
أي شرق أوسط مقصود؟
-
وأي جديد يُراد فرضه؟
-
هل هو شرق بلا مقاومة؟ بلا قضية فلسطينية؟ بلا تنوع سياسي؟
الرسالة البصرية توحي بأن “السلام” قد اكتمل، لكن من دون التطرّق إلى ثمنه، ولا إلى من دفع الفاتورة.
خاتمة: عندما تصبح الصورة وسيلة لإعادة تشكيل الوعي
إن اللوحة الإعلانية عن “تحالف إبراهيم” ليست مجرّد صورة دعائية، بل وثيقة سياسية بصريّة تحاول إعادة هندسة وعي الجماهير.
فهي تقول لنا ما يجب أن نراه، وتصمت عمّا يُراد لنا ألا نفكر فيه.
يبقى السؤال:
هل يمكن أن يُبنى سلامٌ حقيقي من دون مشاركة الشعوب؟
أم أن الصورة تحوّلت من أداة سلام… إلى سلاح صامت يعيد تشكيل خرائط النفوذ والوعي معًا؟
