لبنان بين نيران الضغط وضباب التهويل: دعوة إلى إعلام مسؤول
كتب رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية |ZNN محمد غزالة
في زمن تزداد فيه الأزمات وتتقاطع فيه ملفات كبرى إقليمية ودولية، يبدو أن لبنان يُستهدف بكثافة غير مسبوقة من الضغوط. ما نشهده اليوم ليس استثناءً عن منطق السياسة، بل هو مشهد طبيعي حين تدخل الدول في مرحلة مفاوضات مصيرية، تتداخل فيها الحسابات، وترتفع فيها الأصوات، وتتعاظم فيها الشروط من هذا الطرف أو ذاك.
لكن ما ليس طبيعيًا، ولا يمكن أن يُعتبر ضمن لعبة التفاوض، هو الدور الذي بات يلعبه بعض الإعلام المحلي والعربي، والذي تجاوز التوصيف والتحليل، إلى صناعة مناخ من الهلع والتيئيس، عبر عناوين سوداوية وتقديرات تضخيمية، لا تكتفي بوصف الواقع بل تسهم في تزييفه أحيانًا.
إن تحويل الإعلام إلى أداة ضغط موازية لما يُمارس سياسيًا ودبلوماسيًا وأمنيًا، يشكّل خطرًا لا يقلّ عن أي خطر آخر. فالمواطن اللبناني المرهق أصلًا من أزمات معيشية واقتصادية خانقة، بات يجد نفسه أمام سيل من الأخبار المحبطة، التي تخلط الوقائع بالتكهنات، وتغيب عنها الرصانة، بل تُوظّف أحيانًا لخدمة أجندات خارجية أو اصطفافات داخلية.
ولعل الأخطر أن يتم تجاهل الحقائق الجوهرية في المشهد اللبناني. فلبنان ليس فقط بلدًا مأزوماً اقتصاديًا أو منقسمًا سياسيًا، بل هو بلد ما زالت أجزاء من أرضه محتلة، وتتعرض سيادته لانتهاكات متكررة من قبل إسرائيل، وسط صمت دولي لافت وتواطؤ ضمني في كثير من الأحيان. في هذا الواقع، يصبح من غير المقبول أن يغفل الإعلام، عن هذه الحقيقة الأساسية، أو أن يتعامل معها كحدث ثانوي في ظل زحمة التحليلات.
الإعلام الحر والمسؤول لا يعني الإعلام المحايد في وجه الظلم، بل هو الإعلام الذي يعرف كيف يكون مهنيًا دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والوطنية. هو الإعلام الذي يستطيع أن ينقل الوقائع، ويكشف المخاطر، ويُضيء على الأزمات، لكن دون تهويل ولا تهوين. إعلام يطرح الأسئلة الكبرى ولا يبيع الإجابات المعلّبة. إعلام يرى الصورة كاملة لا مجتزأة، ويعرف كيف يميّز بين النقد والتشويه، وبين الإنذار والتخويف.
لبنان اليوم بحاجة إلى إعلام يُطمئن دون أن يُخدّر، ويُحذّر دون أن يُرعب، ويُثبّت الناس في أرضهم لا أن يُشعرهم بأنهم في سفينة تغرق. بحاجة إلى إعلام يبني الثقة بدل أن يُعمّق الشك، يفتح النوافذ بدل أن يُسدّ الأبواب.
وختامًا، فإنّ من حق الجميع أن يختلفوا في الرأي والتحليل، لكن من واجب الإعلام، كل الإعلام، أن يكون أمينًا على الكلمة، وأن يتعامل مع لبنان بوصفه بلدًا يستحق الحياة، لا مجرّد ورقة في بازار السياسات الكبرى.
