كشف د. أحمد الحاج (باحث في شؤون المياه والبيئة) عن واقع الأمن المائي والطاقوي الخليجي في ظل التصعيد العسكري وذلك في حيدث خاص لـ ZNN :
يُعرِّف برنامج الأمم المتحدة للمياه (UN-Water) الأمن المائي بأنه “قدرة مجموعة سكانية على ضمان الوصول المستدام إلى كميات كافية من المياه ذات الجودة المقبولة، للحفاظ على سبل العيش ورفاهية الإنسان والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وضمان الحماية من التلوث المنقول بالمياه والكوارث المرتبطة بالمياه، والحفاظ على النظم البيئية في مناخ من السلام والاستقرار السياسي”. يتضمن هذا التعريف ستة أبعاد أساسية : الوصول المستدام لكميات مائية كافية، جودة مقبولة خالية من الملوثات، دعم احتياجات الأنسان المعيشية والتنموية، الحماية من المخطر، حماية النظم البيئية وتحقيق الأمن المائي في مناخ من السلام والأستقرار. أما من ناحية القانون الدولي فأنه وسيلة للوصول إلى توزيع عادل للمياه يضمن حصول الجميع على احتياجاتهم المائية .
الواضح من التعريفات السابقة أن الأمن المائي هو مفهوم شامل يتجاوز مجرد توفير مياه الشرب ليشمل الاستدامة والحماية من المخاطر والحفاظ على البيئة في ظل الاستقرار السياسي. وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى أن74% من سكان العالم (حوالي 3 من كل 4) يحصلون على مياه شرب مأمونة، يحذر خبراء الأمم المتحدة من أن الرقم الحقيقي قد يكون أقل بكثير بسبب تلوث المياه والتحديات في البنية التحتية، مما يعني أن نحو 4 مليارات شخص قد لا يحصلون فعليًا على مياه شرب آمنة حقًا. لذلك، يحظى تأمين مياه الشرب والأستخدام المنزلي والبلدي بالأولوية المطلقة في السياسات الدولية وقد أعطتها “وكالة الأمن المائي” (Water Security Agency) تلك الأولوية على جميع القطاعات الأخرى، بما في ذلك الزراعة والصناعة. أما المعيار الرئيسي لتحقيق الأمن المائي في الخدمة المنزلية هو توفير 50-100 لتر للفرد يومياً كحد أدنى أساسي، مع استهداف رفع هذا المستوى إلى متوسطات أعلى (150-250 لتر) في الظروف الطبيعية، وضمان 100 لتر للفرد يومياً كحد أدنى لا يمكن المساس به حتى في أقسى الظروف. فكيف سيكون الوضع اذا كانت المصادر المائية مهددة في كل لحظة خلال الحرب الدائرة في الخليج العربي؟
في ظلّ التصعيد العسكري الحالي، تبرز مسألة تحييد محطات تحلية المياه كأولوية استراتيجية ملحّة، نظراً لاعتماد دول مجلس التعاون الخليجي على مصادر غير تقليدية لتلبية احتياجاتها من مياه الشرب والخدمات المنزلية والصناعية والزراعية. كما تشير الاحصاءات إلى أن هذه المحطات تُعد من البنى التحتية الحيوية التي لا غنى عنها لديمومة بقاء السكان وأن تعطيلها لفترة وجيزة سيؤدي إلى كارثة حقيقية خلال أيام معدودة والسبب أن فترة تخزين المياه المحلاة لا تتجاوز اليومين فهي تُؤمن مباشرة من المحطات الى المواطنين.

تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي بشكل شبه كلي على تقنيات تحلية مياه البحر لتأمين مياه الشرب والخدمة المنزلية (100% في البحرين والكويت، 99.9% في قطر، 90% في الأمارات، 85% في سلطنة عمان) وذلك بسبب طبيعة مناخها الصحراوي وندرة مواردها المائية العذبة. هذه الدول تعاني من شح الأمطار (أقل من 150 ملم/سنة) وغياب الأنهار الدائمة، إضافةً إلى الاستهلاك المتزايد للمياه نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والزراعي فعلى سبيل المثال نجد مملكة البحرين التي تعمد الى تخفيف ملوحة مياهها الجوفية (3000 الى 9000 جزء في المليون) بنسبة 40% عبر خلطها بالمياه المحلاة. كما ان هذه الدول تسعى الى تلبية احتياجاتها الزراعية من احواضها الجوفية غير المتجددة وبطريقة جائرة حيث لا يمكن تعويض عجزها المائي. لذلك أصبحت تحلية مياه البحر حلاً استراتيجياً لتلبية الطلب المتزايد على المياه، حيث توفر مصدراً مستداماً “نسبياً” يمكن الاعتماد عليه لضمان الأمن المائي ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. أما التقنيات المستخدمة هي :
- التقطير الوميضي متعدد المراحل (Multi-Stage Flash Distillation “MSF”) أي تسخين المياه ثم تبخيرها المفاجئ عبر مراحل متعددة ومرتبطة بمحطات توليد الكهرباء
- التقطير متعدد التأثيرات والمراحل (Multi-Effect Distillation “MED”) بأستخدام بخار مياه كل مرحلة لتسخين المرحلة التالية
- التناضخ العكسي (Reverse Osmosis “RO”) تعمل بدفع المياه المالحة عبر أغشية شبه نافذة تحت ضغط عال

كما وترتبط محطات تحلية المياه ارتباطاً وثيقاً بالطاقة الكهربائية، إذ تُعد من أكثر العمليات استهلاكاً للطاقة بسبب الحاجة إلى تشغيل المضخات والأنظمة الحرارية أو الأغشية لفصل الأملاح عن المياه وقد بلغت تكلفة الأنتاج الوسطية لمتر مكعب (1000 ليتر) من المياه 2.44 كيلو واط/ساعة أي بمعدل وسطي 0.47 دولار أميركي/م3. ومع تزايد الاعتماد على هذه المحطات، أحيانا لأسباب رفاهية (الأستهلاك اليومي للفرد في قطر يبلغ 459 ليتر)، أصبح الطلب على الكهرباء مرتفعاً بشكل ملحوظ. وفي هذا السياق، تسعى العديد من الدول (الأمارات) إلى تعويض جزء من هذا الاستهلاك عبر إدماج مصادر الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية) بهدف تقليل التكاليف والانبعاثات البيئية. ويسهم هذا التوجه، الأوروبي المصدر عبر شركاته العاملة في الخليج، في تحقيق التوازن بين تأمين المياه والحفاظ على الاستدامة البيئية من خلال تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة عبر دمج عدة تقنيات.
بالرغم من وجود عرف غير مكتوب في المنطقة يقضي بعدم استهداف المنشآت المائية، إلا أن التطورات الأخيرة في الحرب أظهرت تآكلاً في هذا المبدأ، مع تسجيل حوادث استهداف أو تهديد مباشر للبنية التحتية المائية، ما يزيد من مخاطر انزلاق النزاع نحو أبعاد جيوسياسية وإنسانية خطيرة. ويؤكد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، على حظر استهداف الأعيان الضرورية لبقاء المدنيين، بما في ذلك منشآت مياه الشرب ومحطات التحلية، ما يمنح هذه المرافق أساساً قانونياً واضحاً للتحييد أثناء النزاعات المسلحة.
بناءً على ذلك، فإن تحييد محطات تحلية المياه والطاقة المشغلة لها يتطلب تحركاً والتزاماً سياسياً وعسكرياً من جميع الأطراف باعتبار هذه المنشآت “خطاً أحمراً” خارج نطاق الاستهداف. فالمطلوب حالياً تعزيز الجهود الدبلوماسية، الإقليمية والدولية لترسيخ هذا المبدأ ضمن قواعد النزاعات المعاصرة خصوصا أن الكثير من الشركات الأوروبية تدير تلك المحطات وليس من المصالح المشتركة العودة الى نقطة اللاعودة. إن حماية هذه المرافق لا تمثل فقط ضرورة إنسانية، بل شرطاً أساسياً للحفاظ على الاستقرار والأمن في منطقة تعتمد حياتها بشكل جوهري على محطات تحلية مياه البحر.
