أعلنت وزيرةُ التربيةِ والتعليمِ العالي في لبنان، ريما كرامي، أنّ المدارسَ الرسميّة ستعتمدُ نظامَ التدريسِ لأربعةِ أيّامٍ أسبوعيًّا في العامِ الدراسيّ الجديد، باعتبارِه استمرارًا لإجراءٍ اعتمدَ سابقًا. ورغم أنّ هذا القرارَ مؤقّتٌ ولا توجدُ ضماناتٌ لاستمراره، إلّا أنّه يثيرُ نقاشًا تربويًّا واسعًا حول انعكاساتهِ على المتعلّمين، وخصوصًا في مرحلةِ رياضِ الأطفالِ والحلقةِ الأولى من التعليمِ الأساسيّ. إنّ تقليصَ عددِ أيّامِ التدريسِ لا يجبُ أن يُنظرَ إليهِ فقط من زاويةِ تقليصِ الزمنِ التعليميّ، بل من زاويةِ إعادةِ التفكيرِ في نوعيّةِ التعلّمِ المقدَّمِ للمتعلّمين. ففي هذهِ المرحلةِ الحسّاسةِ، يشكّلُ التعليمُ أكثرَ من مجرّدِ اكتسابِ معارفَ أكاديميّة، إذ هو عمليّةٌ تكامليّةٌ تشملُ النموَّ النفسيَّ والاجتماعيَّ والحسّيَّ والحركيّ. وهنا يحسنُ القولُ إنّه قد آنَ الأوانُ لأن تتحوّلَ المدرسةُ إلى مكانٍ للّعبِ والاكتشافِ والإنتاجِ العلميِّ والفهمِ المنطقيِّ، وإلى فضاءٍ للأنشطةِ المعتمدةِ على قدراتِ المتعلّمِ لا على التلقينِ وحدَه
إنّ تقليصَ الزمنِ المدرسيّ يفرضُ على المؤسّساتِ التربويّة والمعلمينَ تكثيفَ العمليّةِ التعليميّةِ خلالَ الأيّامِ الأربعة، مع اعتمادِ استراتيجيّاتٍ نشطةٍ ترتكزُ على الاكتشافِ والتحليلِ والتفكيرِ النقديّ. فبدلَ أن يكونَ المتعلّمُ متلقّيًا سلبيًّا، يجبُ أن يتحوّلَ إلى شريكٍ فاعلٍ في بناءِ معارفهِ ومهاراتهِ. وهذا يتطلّبُ إعادةَ النظرِ في توزيعِ الأنشطةِ والمناهجِ بما يوازنُ بين متطلّباتِ المعرفةِ وأهدافِ النموِّ الشاملِ للمتعلّم. وفي هذا السياق، تبرزُ أهمّيّةُ إدماجِ التكنولوجيا في العمليّةِ التعليميّة، إذ لا تقتصرُ على كونها وسيلةً مساعدةً، بل تتحوّلُ إلى أداةٍ لإشراكِ المتعلّمِ في التعلّمِ بشكلٍ مباشرٍ وتفاعليّ، من خلالِ المنصّاتِ الرقميّة، والأنشطةِ الافتراضيّة، والألعابِ التربويّة. فالتكنولوجيا تجعلُ العودةَ إلى المدرسةِ أكثرَ تشويقًا، وتمنحُ المتعلّمَ دورَ “المشارك” لا “المستقبِل”، كما تُتيحُ للمعلّمِ تطويرَ أدائهِ ومجاراةَ التغيّراتِ التربويّةِ الحديثة.
ولا شكَّ أنّ القرارَ يضعُ المعلّمَ في صُلبِ المعادلة، فإذا تعاملَ معهُ باعتبارِه فرصةً للتجديدِ في طرائقِ التدريسِ وتنظيمِ الصفِّ، قد يتحوّلُ إلى حافزٍ لرفعِ مستوى الممارساتِ التربويّة. أمّا إذا اتّخذَهُ ذريعةً لتقليلِ الجهدِ، فإنّ الخاسرَ الأكبرَ سيكونُ المتعلّمُ. ومن هنا تتأكّدُ الحاجةُ إلى سياساتٍ داعمةٍ للمعلّم، تضمنُ لهُ بيئةَ عملٍ مريحةً وتدريبًا مستمرًّا يواكبُ حاجاتِ العصرِ ومتطلّباتِ الأزماتِ التي يعيشها لبنانُ منذُ سنوات. ويُضاف إلى ذلك أنّ المعلّمينَ في القطاعِ الرسميّ، وخصوصًا المتعاقدينَ، يعانونَ من غيابِ الرضا الوظيفيّ وضعفِ المردودِ المادّي، وهو ما لا يتناسبُ مع حجمِ جهودِهم. إلّا أنّ هذهِ المعضلةَ لا يجبُ أن تنعكسَ على المتعلّم، إذ إنّ الاحترافيةَ التربويّةَ تقتضي الفصلَ بين الظروفِ المعيشيّةِ القاسيةِ وبينَ الكفاءةِ في أداءِ الدورِ التربويّ. لكن في المقابل، تقعُ المسؤوليّةُ على الدولةِ في إعادةِ النظرِ بسياساتِها التربويّةِ والماليّةِ بما يحفظُ كرامةَ المعلّمِ ويعزّزُ استقرارَهُ النفسيَّ والاجتماعيّ، وهو ما ينعكسُ مباشرةً على جودةِ التعليمِ.
إنّ اعتمادَ أربعةِ أيّامٍ دراسيّةٍ في المدارسِ الرسميّة قد يبدو للوهلةِ الأولى تقليصًا في الزمنِ التعليميّ، لكنّهُ في الواقعِ يشكّلُ فرصةً لإعادةِ التفكيرِ في جوهرِ العمليّةِ التربويّة. فالمرحلةُ الأولى من التعليمِ تحتاجُ إلى تعلّمٍ نوعيٍّ لا كمّي، وإلى بيئةِ اكتشافٍ وإبداعٍ، وإلى معلّمٍ متمكّنٍ ومرتاحٍ نفسيًّا، قادرٍ على توظيفِ التكنولوجيا وتطويرِ أدائهِ بما يجعلُ المدرسةَ أكثرَ جاذبيّةً للمتعلّم. أمّا إذا بقي القرارُ إجراءً إداريًّا بلا رؤيةٍ شاملةٍ، فإنّ المخاطرَ ستفوقُ الفرصَ، وسيكونُ المتعلّمُ الضحيّةَ الأكبرَ
