اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣: نموذج قديم لسيناريو جديد؟/ د. علي احمد خليفة
شكّل اتفاق السابع عشر من أيار من العام ١٩٨٣ لحظة فارقة في التاريخ السياسي اللبناني، حين حاولت “إسرائيل” والولايات المتحدة فرض معادلة جديدة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢، تقوم على إنهاء حالة الحرب بين لبنان و”إسرائيل” وربط السيادة اللبنانية بترتيبات أمنية–سياسية تضمن أمن إسرائيل، لإدخال لبنان في العصر الإسرائيلي.
ورغم أنه أتم إسقاط الاتفاقية بعد أقل من عام من إقرارها والتصديق عليها، إلا أن منطوقها واهدافها لم تنتهِ، بحيث ما زالت تتكرر بأشكال مغايرة عبر الضغوط الأميركية–الإسرائيلية على لبنان بشتى الأوجه والأشكال، سواء اكانت في ملفات الترسيم البحري، أو الحدود البرية، بعد فرض امر واقع جديد بنقاط جديدة خمسة او ثمانية وربما اكثر للإلتزاز بخطوة مقابل خطوة، أو بإقامة منطقة اقتصادية عازلة تحت السيطرة الاميركية باقتطاع ١٤ قرية حدودية لجعلها منطقة اقتصادية استثمارية (المشروع الاستعماري) تحت الإدارة المباشرة الاميركية “منطقة ترامب” كنموذج احتلالي من نوع آخر، أو في التهديد والوعيد وتاليب الراي العام الخارجي والداخلي كما هو حاصل بمشروع آخر مفخخ حول مسألة حصرية السلاح.
من هنا، تبرز أهمية المقارنة بين اتفاق ١٧ أيار والشروط الراهنة، لبيان أوجه التشابه والاختلاف على المستويين القانوني والسياسي والإقليمي.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
اولاً- مقاربات النشاة والظروف بين المرحلتين
جاء اتفاق السابع عشر من أيار عام ١٩٨٣ تحت ضغط احتلال بيروت وأجزاء واسعة من لبنان، متماهية مع محاولة أميركية لإعادة صياغة المنطقة بعد إخراج منظمة التحرير الفلسطينية، وفيما كانت “إسرائيل” وقتذاك في أوج قوتها العسكرية، كانت سوريا في موقع إقليمي قوي مدعوم دوليًا من الاتحاد السوفياتي (السابق)، بينما كان لبنان ضغيفاً مفككًا داخليًا تتآكله الحرب الأهلية بتصنيفاتها المختلفة.
وبالمقارنة مع الوضع الراهن، فإن الضغوط نتأتي في ظل حصار اقتصادي ومالي، وصراع بين النفوذ الأميركي والنفوذ الإيراني، فيما “إسرائيل” التي ما زالت قوية مردوعة نوعاً ما عسكريًا بالرغم من استخدامها سياسة اليد الطولى على الأقاليم الوطنية للدولة اللبنانية كافة، وفي مواجهة سياسة كظم الغيظ المرتكزة على كسب الوقت لإعادة التعافي وتحصين الداخل، تظهر سوريا بموقف الضعف بفعل الحروب الداخلية فيها وتشظياتها على وقع فعالية الخارج وتموضعاته، إلا ان ما ميز هذه المرحلة كان في برز الدور الإيراني كفاعل إقليمي مباشر في لبنان.
ثانياً- الطبيعة القانونية للشروط على لبنان
شكل اتفاق 17 أيار من العام ١٩٨٣ معاهدة دولية رسمية تم توقيعها بين لبنان و”إسرائيل” بوساطة أميركية، وتضمنت ترتيبات أمنية وتطبيعًا غير مباشر.
لقد كانت الاتفاقية من طبيعة ملزمة وفق قواعد القانون الدولي (اتفاقية فيينا للمعاهدات)، وصادق عليها البرلمان اللبناني قبل إسقاطها بقوة انتفاضة السادس من شباط من العام ١٩٨٤ وما تمثله وتتمثل به وطنيًا، كما وبفعل تبدّل موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية، لا سيما ان الاتحاد السوفياتي (السابق) دعم الموقف السوري الرافض للاتفاق ما اعطى غطاءً دوليًا لمعارضيه، خلافاً لما عليه روسيا المنشغلة اليوم بأزماتها في اوكرانيا.
وفي مقاربة تصنيف الواقع القانوني للمرحلة الجديدة، فإنه لا وجود لمعاهدة رسمية، بل تفاهمات غير مباشرة (مثل اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022) تتقاطع مع ضغوط سياسية–اقتصادية يتم وضعها كشروط لتمرير المساعدات أو الإصلاحات. وإن هذه الشروط لا تحمل صفة الإلزام القانوني، لكنها تُمارَس كأدوات إكراه واقعية، ما يجعلها أقرب إلى عقود إذعان سياسية غير مكتوبة يتم محاولة فرضها تحت النار او ضمن سياسة الترهيب والابتزاز التي تمارسها الولايات المتحدة الاميركية “الوسيط النزيه” كرمى لمصالح الكيان الإسرائيلي ولخدمة مشاريعها واهدافها في المنطقة، وذلك من خلال ممارسة الضغط الناعم والصلب المتماهي مع الاحتلال الإسرائيلي المباشر، خلافًا لما عليه مفهوم القوة الناعمة، وذلك بغية تحقيق النتيجة نفسها: إخضاع لبنان لمعادلة امنية- اقتصادية تخدم “إسرائيل”.
فالأهداف الأميركية–الإسرائيلية
التي سعى الطرفان من خلال اتفاق السابع عشر من أيار عام ١٩٨٣ إلى تثبيت أمن إسرائيل على حدودها الشمالية، وإخراج لبنان من معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي، وفتح مسار تطبيع مبكر، تطرح اليوم ايضًا تحييد لبنان عن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتحجيم دور المقاومة، ودمج لبنان تدريجيًا في بيئة التطبيع الإقليمي عبر بوابة الاقتصاد والطاقة، وصولًا إلى تفكيك لبنان وفرض وظيفة جديدة له تؤمن المصالح المشتركة الاميركية- الإسرائيلية.
ثالثًا- طبيعة الموقف اللبناني من الاتفاق المشؤوم والازمة الراهنة
شهد العام ١٩٨٣ انقسامًا داخليًا حادًا وقتذاك بين مؤيدين للاتفاق (الحكومة التي اقرته واكثرية المجلس النيابي الذي صادق عليه آنذاك) ومعارضين له من قوى المقاومة وحركات وطنية واحزاب سياسية تستفيد من سوريا، وانتهى الاتفاق بسقوطه بمفاعيل انتفاضة ٦ شباط ١٩٨٤.
فيما يعيش لبنان اليوم انقسامًا مشابهًا ولكن بصيغة أخرى، بحيث هناك فريق يرى أن الواقعية تفرض القبول بالشروط الأميركية-الإسرائيلية لتخفيف الانهيار الاقتصادي، وفريق يرفض ويعتبر أن التنازل سيقود إلى تكرار سيناريو السابع عشر من أيار عام ١٩٨٣ بل أسوء منه، ويشكل تهددًا مباشرًا للسيادة الوطنية.
رابعًا- الادوار الإقليمية
لعبت سوريا في العام ١٩٨٣ دورًا محوريًا في إسقاط الاتفاق بدعم سياسي وعسكري مباشر لحلفائها في لبنان، وقد غاب هذا الدور اليوم بفعل أزمتها الداخلية منذ العام ٢٠١١، إن لم منذ العام ٢٠٠٥ بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، وكذلك في المتغيرات السياسية والحيوسياسية التي حصلت وتحصل في سوريا وحول سوريا.
بينما تعتبر إيران اليوم، التي لم تكن لاعبًا رئيسيًا بحضورها المباشر في العام 1983، صاحبة النفوذ الأقوى حضوراً في لبنان عبر “حزب الله”، الذي يشكل عنصر الردع الأساسي في مواجهة الضغوط الأميركية–الإسرائيلية وخط الدفاع الأول في مواجهة ١٧ أيار جديد.
فيما العالم العربي الذي شهد انقسامًا عربيًا آنذاك بحيث ان بعض الدول كمصر (بعد كامب ديفيد) لم تعارض، فيما دعم آخرون إسقاط الاتفاق (سوريا، …)، وتحفظت دول اخرى (الجزائر، قطر)، يشهد اليوم انقسامًا أعمق مع انخراط بعض الدول العربية في التطبيع العلني مع “إسرائيل” (الإمارات العربية، البحرين، المغرب، …)، وهو ما أضعف التضامن مع لبنان في مواجهته المشروعة مع الكيان الإسرائيلي المحتل.
من هنا يتضح من المقارنة أن جوهر كل من اتفاق 17 أيار والشروط الأميركية–الإسرائيلية اليوم هو واحد، وأن الإثنين يسعيان إلى تحييد لبنان وضمان أمن إسرائيل، إلا ان الأدوات هي من تغيّرت، من الاحتلال العسكري والمعاهدات الملزمة إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية غير المباشرة، التي تحمل قوة إكراه موازية وإن لم ترتقِ لمستوى المعاهدة الدولية، والتي تتمثل بالضغط الاميركي المباشر المتمثل بالحصار الاقتصادي والعقوبات وربط المساعدات بشروط الولايات المتحدة الاميركية، وإن إمكانية النقض لها او الخروج منها يحتاج إلى قرار سياسي داخلي قوي لان التكلفة فيه سوف تكون اقتصادية ومالية في ظل تبدل موازين القوى.
بالتالي، فإن الدرس الأبرز هو أن لبنان ما زال عالقًا بين معادلة الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية، وأن استقراره وسيادته مرهونان بقدرته على صياغة موقف وطني جامع يحول دون تكرار سيناريو الإذعان التي يمارسها التحالف الاميركي- الإسرائيلي سواء بصيغة معاهدة ملزمة كما حصل في العام ١٩٨٣ أو عبر صيغة ضغوط غير مكتوبة يتم التحضير لها واختبارها الأول كان مع نموذج ورقة الأميركي “باراك”، والتي يكمن فيها الفخ الاميركي كتكرار لمسار غزة التفاوضي ولكن في لبنان حتى إنهاك لبنان.
