إقتصاد المخدرات في لبنان :بين الخطة الأمنية وضغوط الجغرافيا السياسية /د.هنا عرابي
انضم الآنتابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
منذ الانهيار المالي في 2019، دخل لبنان في طور مُعمّق من أشكال الاقتصاد غير الرسمي: اقتصاد نقدي يجتاح المعاملات اليومية، دولرة متزايدة، ضعف هشّ في الجباية والرقابة، وتغلغل للأنشطة غير القانونية، خصوصًا تجارة المخدرات. حسب البنك الدولي، وضع لبنان في 2024–2025 يُوصَف بـ «استقرار هش»، حيث النمو المتوقع قد يصل إلى 4.7٪ لعام 2025 إذا تحققت إصلاحات، لكن السيولة النقدية خارج النظام، وغياب الرقابة المحكمة، ووضع لبنان على القائمة الرمادية لدى فريق العمل المالي (FATF) منذ 25 تشرين الأول/أكتوبر 2024 كل هذا ساهم في جعل البيئة مثالية لازدهار إقتصاد المخدرات.
جذور إقتصاد المخدرات في لبنان
ليس اقتصاد المخدرات طارئاً على البنية اللبنانية؛ إذ يمتد إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين تحوّلت مناطق في البقاع إلى مصدر رئيسي للحشيش والأفيون. ومع اندلاع الحرب الأهلية، انتقلت زراعة وتصنيع المخدرات من الهامش إلى صلب تمويل الأنشطة غير المشروعة . ورغم محاولات الحدّ منه في التسعينيات وبداية الألفية، ظلّ هذا الاقتصاد يطلّ برأسه مع كل ضعف في الدولة أو اهتزاز في مؤسساتها.
بعد 2019: انفجار اقتصاد الظل
أعاد الانهيار المالي الكبير عام 2019 رسم ملامح الإقتصاد اللبناني. ومع تراجع دور المصارف، انكفأ الاقتصاد الرسمي وتضخّمت الأدوار غير النظامية: التهريب، السوق النقدية، والاتجار بالمخدرات. وقد وجدت شبكات المخدرات في حالة الانكشاف المالي والرقابي أرضية خصبة لإعادة بناء شبكات إنتاج وتصدير، مستفيدة من هشاشة السلطة المركزية، ومن الطبيعة الجغرافية المفتوحة للحدود اللبنانية ـ السورية.
لبنان كمحور إقليمي
لم يعد لبنان مجرّد ساحة داخلية لزراعة الحشيش، بل تحوّل إلى محور إقليمي في إنتاج وتصدير الكبتاغون تحديداً. تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) منذ 2021 تشير إلى أن لبنان مع سوريا باتا يشكّلان معاً أحد أبرز مصادر الكبتاغون نحو الخليج والأردن والعراق وأروبا وأميركا الجنوبية. ومع تزايد الضغط على الموانئ السورية، تحوّل مرفأ بيروت وميناء طرابلس وحتى مطار رفيق الحريري إلى محطات بديلة، فيما استُخدمت المعابر البرية مع سوريا كخطوط عبور شبه مفتوحة.
الضبطيات في ظل الخطة الأمنية (حتى 17 أيلول 2025)
مع تفعيل الخطة الأمنية ، سُجّلت سلسلة ضبطيات بارزة تكشف حجم المواجهة. ففي منتصف تموز/2025 جرى تفكيك أكبر المصانع في اليَمّونة بالبقاع بعد عملية استخبارية مشتركة، ما دلّ على رسوخ قدرات إنتاجية محلية. وفي مطلع أيلول، ضبطت السلطات في مرفأ طرابلس شحنة كوكايين ضخمة بلغت نحو 125 كلغ، مؤكدة أن الموانئ اللبنانية لا تزال مستهدفة من شبكات عالمية تسعى لاستخدامها كمحطات عبور. أما العملية الأبرز، فكانت قبل أيام قليلة، حيث أعلن الجيش عن مصادرة عشرات الملايين من حبوب الكبتاغون إلى جانب مواد كيميائية ومعدات تصنيع في البقاع/بعلبك، في واحدة من أكبر الضبطيات لهذا العام. مصادر أمنية وإعلامية أكدت أن بعض هذه الضبطيات تمّت بتعاون استخباراتي مع دول الجوار، ما يبرز دور التنسيق الإقليمي في إنجاح الخطة. هذه المعطيات تبرهن أن الحملة الأمنية فرضت ضغطاً واضحاً على الشبكات، لكنها تكشف أيضاً عن مرونتها العالية من خلال تفتيت الشحنات وتنوع أساليب الإخفاء، وهو ما يفرض استمرار المقاربة الأمنية مدعومة بإجراءات قضائية ومالية صارمة.
دلالات المشهد
هذه الضبطيات ليست مجرد أرقام أمنية، بل مؤشرات على معركة أوسع تتجاوز لبنان إلى الإقليم. فهي تعكس حجم الطلب الخليجي والإقليمي على المخدرات المصنعة في لبنان وسوريا، وتؤكد أن اقتصاد المخدرات بات مرتبطاً بالتوازنات السياسية والأمنية. كما أن نجاح أي خطة أمنية يبقى مشروطاً بقدرة الدولة على سدّ الثغرات الاقتصادية التي تجعل من هذا النشاط مربحاً وقادراً على إعادة إنتاج نفسه.
الخاتمة: معركة مستمرة
يبقى السؤال الأساس: هل يمكن للبنان أن يخرج من عباءة “الاقتصاد بلا دولة” ليؤسس لاقتصاد شرعي قادر على استيعاب طاقات المناطق الطرفية التي تعيش على المخدرات؟ ما جرى حتى الآن يؤشر إلى أن الخطة الأمنية قد تقلّص منسوب الإنتاج والتصدير، لكنها لا تستطيع وحدها أن تفكّك اقتصاد المخدرات، ما لم تقترن بإصلاحات بنيوية اقتصادية وقضائية، وبمقاربات إقليمية تعالج جذور الطلب لا مجرد العرض.
