أمريكا وصناعة الجماعات التكفيرية: قراءة نقدية في التحولات الإقليمية/ د. نسيب حطيط
يتناول المقال دور القوى العالمية، وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية، في نشوء وتوظيف حركات التكفير المسلحة عبر عقود، من أفغانستان في الثمانينيات إلى مشاهد الاقتتال في المنطقة اليوم. ويعرض فرضية أن هذه الحركات أُنشئت أو استُثمرت لتحقيق أهداف جيوسياسية، ويطالب بقراءة نقدية لمسار هذه الجماعات ونهايات قادتها.
أُسّست شبكة من الحركات المسلحة في ثمانينيات القرن الماضي حينما دعم التحالف الدولي ـ بمن فيهم الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون ـ فصائل محاربة للاحتلال السوفييتي في أفغانستان. وفي هذا الإطار، تُذكر ممارسات شملت إطلاق سراح سجناء وإرسال مقاتلين إلى ساحات القتال بدعم مالي لوجستي من دول إقليمية.
نجحت تلك التجربة في مواجهة النفوذ السوفييتي، لكنّها خلّفت أيضًا بيئة خصبة لتشكل شبكات مقاتلة حول قيادات جديدة، ما أنتج لاحقًا تنظيمات مختلفة استغلتها ظروف ما بعد الحرب. ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر لتؤدي إلى تصعيد عالمي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وهو تصعيد غيّر خارطة التدخلات الإقليمية وأسهم في ولادة مشاهد جديدة من الصراعات.
من خلال قراءة تاريخية تحليلية، يمكن تتبّع تتابع تنظيمات مسلحة وعمليات انشقاق وتأسيس لأسماء جديدة (مثل القاعدة، ثم تنظيمات تفرعت أو اندلعت فيما بعد تحت مسميات مختلفة). هذا التتابع لا يبرّر الأعمال الإرهابية، لكنه يطرح سؤالًا حول كيفية تشكّل هذه الحركات وأهدافها المتقلبة، ومدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على ضبط نتائج سياساتها في مرحلة ما بعد الصراع.
تستند الاستراتيجية التي يُزعم أن بعض القوى الدولية اتبعتها إلى عدة عناصر متكررة:
- إلباس الحركات أسماء وشعارات تتوافق مع هويات جغرافية ومذهبية محلية لتسهيل قبولها الشعبي.
- استثمار فراغات السلطة والأمن في دول منهكة أو في ساحات قتال لتوجيه أو دعم مجموعات مسلحة دون تحمل تبعات طويلة الأمد.
- توظيف أجهزة الاستخبارات وسياسات السجون والإفراجات لتحقيق أغراض تكتيكية أحيانًا.
- تحوّل دائرة العداء لتستهدف في كثير من الحالات دولًا ومكوّنات داخلية كانت، تاريخيًا، أكثر صدامًا مع مصالح الطرف الأجنبي.
من الملاحظ أن كثيرًا من هذه الجماعات لم توجه هجماتها الأساسية ضد إسرائيل، بينما شهدت ساحات مثل العراق وسوريا ولبنان وصراعات داخلية أخرى أعمال عنف دموية أدت إلى تغييرات سياسية واجتماعية عميقة.
كما يثير التاريخ الحديث تساؤلات عن مصائر بعض القادة، وما إذا كانت روايات الاغتيال أو التصفية دائمًا دقيقة أو مدعومة بأدلة علنية. إن مسارات هؤلاء القادة، سواء انتهت بالقتل العلني أو بالاختفاء أو بمرحلة «تقاعُد سياسي»، تحتاج إلى توثيق دقيق قبل اعتماد أي استنتاجات نهائية.
خلاصة القول: من الضروري قراءة ظاهرة الجماعات المسلحة في منطقتنا بعيون نقدية تاريخية وسياسية، تفصّل بين الأسباب البنيوية المحلية والمصالح الخارجية، وتبتعد عن التعميمات المطلقة. كما يجب على الباحثين والإعلام التأكد من المصادر والوقائع قبل نشر استنتاجات حاسمة.
