الأمل الفلسطيني في السجن.. لا حرية لمروان البرغوثي
إعداد : رباب غملوش
كان بوسع الكيان الإسرائيلي أن يغتال أبا القسام مروان البرغوثي منذ اللحظة الأولى لأسره فلا حصانة لأي فلسطيني ، لكنّه أراد أن يؤدب كلّ من شاء أن ينتهج طريق البرغوثي. فإسرائيل اغتالت الأمل الفلسطيني بزجّها لأمين سرّ حركة فتح خلف قضبان الزنزانة. وللسجن حكايا لا تُحصى، وللحرية أثمانٌ لا تفاوَض بل تدفع. هذه الحرية الإنسانية والفكرية الذي تمتّع بها أبو القسام، دفع ثمنها سنين حياته في جبّ الأسرّ. نعم، يمكن للبدن أن يُحتجب، ولكن هل يمكن للفكر أن يُقيّد؟ وهل يمكن للناضل والأمل أن يؤدبا؟
هذا الحلم الذي سرقه الصهيوني من فؤاد المجتمع الفلسطيني جعل من مروان البرغوثي شعلةً يتطلّع إليها كلّ من يؤمن بدولة فلسطين الحرّة، ذات النهج السياسي الموحّد الذي يجتمع عليه الشعب، الفصائل والمقاومة. حيث يعبر البرغوثي عن مشروعه بمقولته “إن توفرت الإرادة السياسية، بإمكاننا إنهاء الإنقسام في لحظة”. كما أنّ حكومة الإحتلال تتغذى على انقسام الشعب الفلسطيني، تحديدًا بعد توقف الحرب على قطاع غزّة وتوقيع إتفاقية وقف إطلاق النار بين الكيان الإسرائيلي وحركة حماس.
من هو مروان البرغوثي؟
مروان البرغوثي، المولود في السادس من حزيران عام 1958 في بلدة كوبر قضاء رام الله، هو سياسي فلسطيني بارز وأستاذ جامعي، يُعد من أبرز القيادات الوطنية في التاريخ الفلسطيني المعاصر. انخرط في النضال منذ شبابه، فاعتُقل للمرة الأولى وهو في السابعة عشرة من عمره بتهمة الانتماء إلى حركة “فتح”، ثم أُسر مرة ثانية بين عامي 1978 و1983 بتهمة المشاركة في أنشطة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
بعد الإفراج عنه، واصل مسيرته السياسية والأكاديمية، فانتُخب رئيسًا لمجلس طلبة جامعة بيرزيت عام 1983، حيث لمع اسمه كقائد طلابي مؤثر. ثم تم إبعاده إلى الأردن عام 1987 بقرار من وزير الإحتلال إسحاق رابين، بعد أن قاد الانتفاضة الأولى. وعقب توقيع اتفاقية أوسلو عاد البرغوثي إلى الأراضي الفلسطينية مع مجموعة من المبعَدين عام 1994 ليُنتخب بعد أسبوعين نائبًا للراحل فيصل الحسيني وأمين سرّ للحركة في الضفة الغربية التي بدأت تتصدّع من الداخل. وقد نجح البرغوثي في إعادة تنظيم الحركة بشهر واحد فقط.
انتُخب مروان البرغوثي عام 1996 عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني عن دائرة محافظة رام الله، حيث حظي بدعمٍ شعبي واسع نظرًا لدوره النضالي وشعبيته بين مختلف فئات المجتمع الفلسطيني. خلال تلك الفترة، عُرف بمواقفه الجريئة الداعية إلى الإصلاح داخل حركة “فتح” ومؤسسات السلطة الفلسطينية، كما كان من أبرز الأصوات التي دافعت عن نهج المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي مع التمسك بالوحدة الوطنية.
نجا مروان البرغوثي من عدة محاولات اغتيال فاشلة، أبرزها قصف موكبه أمام مكتبه في رام الله يوم 4 أغسطس/آب 2001، مما أسفر عن استشهاد مرافقه مهند أبو حلاوة.
اعتُقل مروان البرغوثي في منتصف نيسان/أبريل عام 2002 خلال عملية نفّذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث جرى اختطافه على متن سيارة إسعاف بطريقة سرية، قبل أن يُنقل إلى مركز التحقيق في المسكوبية بالقدس المحتلة، ثم إلى المعتقل السري رقم 1391. حيث قضى هناك نحو 103 أيام من التحقيق القاسي، على خلفية اتهامه بتأسيس كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة “فتح”، وإدانته لاحقًا بتهمة الشروع في القتل.
وفي عام 2004، أصدرت محكمة إسرائيلية حكمًا جائرًا بحقه بالسجن خمسة مؤبدات وأربعين عامًا إضافية، وهي العقوبة القصوى التي طلب بها الإدعاء العام.
ورغم سنوات الاعتقال الطويلة التي قضاها لاحقًا في سجن هداريم داخل العزل الجماعي، لم يتوقف عن متابعة دراسته العليا، فتمكن من تسريب أطروحته للدكتوراه في العلوم السياسية عبر محاميه على عدة دفعات على مدى عام كامل بعنوان “الأداء التشريعي والسياسي للمجلس التشريعي الفلسطيني ومساهمته في العملية الديمقراطية في فلسطين من 1996 إلى 2006″، ليناقشها عام 2010 في معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية.
من أهم مؤلفاته، كتاب الوعد، مقاومة الإعتقال، وكتاب ألف يوم في زنزانة العزل الإنفرادي الذي تم تهريبه سرًّا وقدّمه زاهي وهبي.

صورة حديثة لمروان البرغوثي في السجن نُشرت على BBC
البرغوثي معلمٌ داخل الزنزانة
(ما نُقل عن عضو الحملة الشعبية لإطلاق سراح القائد مروان البرغوثي وكافة الأسرى)
يروي الأسير المحرّر عبد القادر بدوي والباحث في الشؤون الإسرائيلية قصّته مع القائد مروان البرغوثي الذي عاش معه 5 سنوات في سجن هداريم..
“عندما صدر أمر اعتقالي وعرفتُ أنني سأمضي مدة حكمي في سجن هداريم. بعد مشاحنات مع الشرطة الإسرائيلية في قوّة نحشون وهي قوة نقل الأسرى بين السجون والمحاكم ومن أشد الوحدات القمعية في السجون، وحين تم نقلي إلى العزل الجماعي كنتُ أنتظر اللحظة التي سألتقي بها مع الأخ مروان.. لقد كبرتُ على حبّه، فالجميع في الضفة الغربية كان يحمل في بيته صورة على الجدار لرموز الإنتفاضات الفلسطينية وكان الأخ مروان أبرزهم. دخلتُ إلى السجن وأوصلوني إلى الزنزانة التي يعيش فيها، فوجدتُه على الباب ينتظرني لاستقبالي كما استقبل كلّ الأسرى من قبلي ومن بعدي.. قد كان الوقت صباحًا، وقد كان بدوره عائدًا من رياضته اليومية وقال لي “عبود”، خجلتُ حينها كثيرًا أمام رهبة هذا القائد والرمز الوطني، لكنّه فاجأني بتواضعه ولطفه. لقد تمتع هذا القائد بضميرٍ حيّ وقلبٍ طيبٍ جدٍّا، حيثُ يتعامل يوميًّا مع الناس رغم كلّ المشاق والظروف، فهو مسكونٌ بهمّ الناس..
عندما دخل الأخ مروان السجن لم يكُن يملك سوى 10 سجناء شهادة الماجستير والآن أكثر من 400 سجين يحمل شهادة الماجستير. الفضل يعود للتعليم الجاد الذي كان يدرّسنا إياه مروان البرغوثي. فهو كان يرى أن منهجه السياسي يعتمد على العلم والمثقفين، حيث اشتهر بمقولة ملهمة تقول”القائد هو من يصنع قائد، وليس من يقتل القادة”.
كان يعيش يوميًّا بلا جزع. يبدأ يومه بثلاث ساعات من الرياضة، بعدها يأكل وجبة خفيفة يليها ثلاث محاضرات لطلاب الماجستير. ثم يتفرّغ أبو القسام لقراءة ثلاث أو أربع صحف باللغة العبرية والإنجليزية، ويستكمل محاضرات الماجستير. وكان يحبّ أن يلعب التانس خاصة مع الأسير سامح الشوبكي وناصر سرور وحمزة الحاج محمد. أمّا ليلًا يصحح الوظائف والإمتحانات، بعدها يقرأ الكتب ويشاهد وسائل الإعلام.
سألتُه ذات مرّة بعد أن رأيته منكبًّا على الإرشاد والثقيف في ظلّ مهامه اليومية المكثفة: أخ مروان لماذا لا تتابع قراءاتك ودراستك وتتفرّغ لنفسك بعد كل هذا التعب؟ ليجيب: “وقتي هو الوقت الذي أعطيه للناس. قيمة الإنسان الفعلية تتجلّى فيما يقدمه للناس”.

وثيقة الأسرى للوفاق الوطني
في منتصف العقد الأول من الألفية، كانت الساحة الفلسطينية تمرّ بأحد أكثر فصولها تعقيدًا. فبعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، تصاعد التوتر بينها وبين حركة فتح حول إدارة السلطة والأجهزة الأمنية. ومع مرور الوقت، تحوّل الخلاف السياسي إلى صراعٍ ميداني انتهى في حزيران/يونيو 2007 بسيطرة حماس على قطاع غزة، وبقاء الضفة الغربية تحت إدارة السلطة الفلسطينية. ومنذ ذلك التاريخ، دخل الشعب الفلسطيني في حالة انقسام سياسي وجغرافي لا تزال تداعياتها حاضرة حتى اليوم. لكن الانقسام لم يبقَ خارج الأسوار فحسب، بل تسرّب أيضًا إلى داخل السجون الإسرائيلية، حيث حاول الاحتلال استغلاله لشقّ صفوف الأسرى الفلسطينيين. فوقف قادة الفصائل في وجه هذه المحاولة، مؤكدين أن السجن يجب أن يبقى نموذجًا للوحدة الوطنية لا ساحة للخلاف. كان من أبرز هؤلاء القادة النائب مروان البرغوثي عن حركة فتح، ونائب الأمين العام للجبهة الشعبية عبد الرحيم ملوح، والشيخ عبد الخالق النتشة عن حركة حماس.
اجتمع القادة في سجن هداريم في زنزانة العزل الإنفرادي رقم 28 وأفطروا معًا حيث توفرت الإرادة السياسية الحقيقية وأنجزوا وثيقة وطنية جامعة عُرفت باسم “وثيقة الأسرى للوفاق الوطني”، جاءت ردًّا على الانقسام، ودعوةً صريحة لتوحيد الصف الفلسطيني. حيث دعت الوثيقة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية لتضم كل الفصائل، والتأكيد على أن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس تشكّل وحدة جغرافية واحدة، لا يجوز فصلها أو تجزئتها، مع الحفاظ على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال. وقد أبدى الرئيس الفلسطيني محمود عباس دعمه للخطة، وصرح رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية في 13 مايو أنها “جديرة بالاهتمام”.
محاولات الاغتيالات المتكررة
تعرّض مروان البرغوثي خلال سنوات نضاله إلى أكثر من محاولة اغتيال ونجا منها، من بينها استهدافه ومساعديه بصواريخ موجّهة، كما أُرسلت له سيارة ملغومة خصيصاً. وعند اختطافه عام 2002، قال أرييل شارون إنه “يتأسف لإلقاء القبض عليه حياً وكان يفضل أن يكون رماداً في جرة”، فيما وصف وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز العملية بأنها “هدية عيد الاستقلال التي يقدمها الجيش للشعب الإسرائيلي، وضربة قاتلة للانتفاضة”. أما المستشار القانوني للحكومة إلياكيم روبنشتاين فقال: “البرغوثي مهندس إرهابي من الدرجة الأولى، وقد راجعت ملفاته طوال ثلاثين عاماً ووجدت أنه من النوع الذي لا يتراجع، ولذلك يتوجب أن يُحاكم بلا رحمة وأن يبقى في السجن حتى موته”.
وخلال اعتقاله، تعرّض البرغوثي لعدة اعتداءات، كان آخرها في سبتمبر/أيلول الماضي حين هاجمه ثمانية من عناصر وحدة “نحشون” الإسرائيلية، وانهالوا عليه بالضرب حتى أُغمي عليه، ما تسبب بكسر أربعة من أضلاعه. كما وثّق تعرضه لأربع اعتداءات بالضرب المبرح، وصلت في بعضها إلى حد محاولة الاغتيال.

مَن المستفيد من بقاء البرغوثي في السّجن؟
كان الشارع الفلسطيني يعلّق آمالًا كبيرة على إدراج اسم مروان البرغوثي ضمن صفقة تبادل الأسرى بين حركة “حماس” و”إسرائيل” التي كان من المتوقع أن تتم بعد وقف إطلاق النار، غير أنّ الاحتلال الإسرائيلي رفض إدراج اسمه رفضًا قاطعًا. وجاء هذا الرفض نتيجة إدراك تل أبيب لما يمثله البرغوثي من رمزية وطنية وشعبية واسعة، إذ يُنظر إليه باعتباره الشخصية الفلسطينية القادرة على توحيد الصفوف وقيادة مشروع وطني جامع نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
يرى كثيرون أنّ البرغوثي أصبح بالنسبة للفلسطينيين، الذين يعيشون حالة فراغ سياسي وغياب مشروع موحّد، رمزًا للأمل، وصوتًا جامعًا يتحدث باسم أكثر من 5 ملايين فلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها. وتستمد مكانته من شعبيته الواسعة التي تتجاوز الانقسامات الفصائلية، ومن ثباته على مواقفه الداعية إلى وحدة الصف الفلسطيني وحل الدولتين.
في المقابل، تتعرّض السلطة الفلسطينية لانتقادات حادة بسبب ما وُصف بتقاعسها عن بذل الجهود الكافية للإفراج عن البرغوثي. ويعتقد بعض الناشطين أنّ بقاءه في السجن يخدم مصالح أطراف داخل السلطة تخشى من أن يهدد إطلاق سراحه مواقعها السياسية داخل حركة “فتح”، فيما يرى آخرون أن استبعاده من صفقة التبادل لم يكن مجرد صدفة، بل خطوة مقصودة لمنع بروز شخصية فلسطينية قادرة على إعادة صياغة المشهد السياسي برؤية وطنية شاملة. وقد سبق وتم إلغاء انتخابات 2021 فقط كي لا يتمكن البرغوثي من الترشح للرئاسة. كذلك في سنة 2017 قاد أبو القسام إضراب الأسرى لأجل مطالب إنسانية تخصّ وضع السجناء وتم تلفيقها من قبل بعض قياديّ فتح بأنها محاولة للإنقلاب على السّلطة.
إلى جانب الموقف الإسرائيلي، أشارت مصادر غير رسمية إلى أن دولة إقليمية رفضت الإفراج عن البرغوثي ضمن الصفقة، خشية أن يُنسب إلى حماس فضل تحريره، على أن يُبحث أمره في وقت لاحق ضمن تفاهمات منفصلة مع السلطة الفلسطينية. وفي سياق متصل، صرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عبّر في وقت سابق عن رغبته في إطلاق سراح البرغوثي وتعيينه لاحقًا لإدارة قطاع غزة بعد الحرب، غير أن الفكرة قوبلت برفضٍ حاد من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي كتب على منصة “إكس”: “أُقدّر الرئيس ترامب كثيرًا، لكن إسرائيل دولة ذات سيادة. مروان البرغوثي قاتل، ولن يُفرج عنه، ولن يحكم غزة.”
وهكذا، يبقى مروان البرغوثي، رغم مرور أكثر من عقدين على اعتقاله، أحد أبرز الرموز القادرة ، في نظر كثيرين ، على إعادة توجيه البوصلة الفلسطينية نحو مشروع وطني موحّد، في وقتٍ تتصاعد فيه الحاجة إلى قيادة تحظى بشرعية نضالية وشعبية حقيقية جامعة.
