تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
برز في عالم السياسة الدولية مصطلح أثار انتباه العالم لما فيه من غموض وما يتبعه من مخاوف، “القوة الأمريكية الناعمة”. حيث تُمثل القوة الناعمة (Soft Power) أداة أساسية للدول للتأثير على الرأي العام العالمي دون اللجوء إلى القوة العسكرية أو الاقتصادية المباشرة، بل الإعتماد على الجاذبية الثقافية، القيم الديمقراطية، والإعلام الحر، الذي يعكس صورة إيجابية للولايات المتحدة كدولة رائدة في الحرية والابتكار. رغم ذلك، شهدت هذه القوة تحديات كبيرة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب ، فقد شن حملات شرسة ضد وسائل الإعلام الأمريكية، متهمًا إياها بالتحيز والكذب، ما أدى إلى ضعف وتفكك هذه القوة وفقدان الثقة في المؤسسات الإعلامية. لكن الإشكالية تكمن في أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدلاً من تعزيز الإعلام كسلاح عصري حقيقي، استخدم منصاته الشخصية مثل تويتر سابقًا -الآن إكس- لمهاجمة الصحفيين والقنوات، مما أثار انقساماً داخلياً عميقاً في الولايات المتحدة. فهل كانت هذه الهجمات مجرد رد فعل على التحيز الإعلامي، أم أنها خطة مدروسة لإضعاف القوة الناعمة الأمريكية، التي كانت تستثمر مليارات الدولارات سنوياً في الدبلوماسية الثقافية؟
ما هي القوة الناعمة الأمريكية
القوة الناعمة هي مصطلح اقترحه جوزيف ناي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ومنظّر بارز في العلاقات الدولية، في كتابه “Bound to Lead” عام 1990، وطوره لاحقاً في “Soft Power: The Means to Success in World Politics” 2004. يعرفها ناي كقدرة الدولة على التأثير على الآخرين من خلال الجاذبية الثقافية، القيم الأخلاقية، والمؤسسات الديمقراطية، بدلاً من الإكراه. على سبيل المثال، يشمل ذلك الإعلام الحر، السينما الهوليوودية، والموسيقى الأمريكية، التعليم والثقافة، الفضاء الرقمي ووسائل التواصل، برامج التنمية والدبلوماسية التي تساعد في بناء صورة إيجابية لأمريكا عالمياً. ثم طوّر ناي هذا المفهوم لاحقًا في إطار “القوة الذكية”.
وفقاً لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2019، أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على تعزيز هذه القوة. حيث بلغ إنفاق الدبلوماسية العامة (Public Diplomacy) حوالي 2.2 مليار دولار سنوياً، بما في ذلك تمويل شبكة “فويس أوف أمريكا” (VOA) وبرامج تبادل ثقافي. فقد طوّرت الولايات المتحدة قوتها الناعمة عبر شبكات إعلامها الدولية كـCNN وCBS وThe New York Times، ومن خلال شركات التكنولوجيا الكبرى التي تتحكم بمنصّات التواصل العالمية، إضافةً إلى برامج المساعدات والتنمية مثل USAID. وبالتالي، أي ضغط على هذه الأدوات ينعكس مباشرة على صورتها ونفوذها العالمي.
العلاقة المتضاربة بين ترامب ووسائل الإعلام
بدأت علاقة ترامب بالإعلام المعادية قبل توليه الرئاسة، لكنها تصاعدت بعد فوزه بولايته الأولى في نوفمبر 2016. وبعد فترة قصيرة من توليه منصبه في كانون الثاني2017، وصف الرئيس دونالد ترامب الصحافة بأنها «عدوّ الشعب الأميركي». فقد أطلق ترامب تغريدة شهيرة على تويتر: “الإعلام الكاذب هو العدو الأكبر لشعبنا!” ورغم أنّ الهجمات على الإعلام شكّلت جزءًا ثابتًا من حملته الانتخابية، فإنّ هذا الاتهام تحديدًا شكّل نقطة تحوّل خطيرة، لأن الخطاب الذي يستخدم تعبير «أعداء الشعب» ارتبط تاريخيًا بالأنظمة الديكتاتورية في القرن العشرين، مثل ستالين وهتلر وماو، الذين استخدموه لنزع الشرعية عن الصحافة ووصمها بـ«الأخبار الكاذبة» بهدف زعزعة ثقة الجمهور بالحقيقة وبما يمكن الاعتماد عليه. ويبدو أنّ ترامب، عبر هذا الخطاب، كان يسعى إلى الهدف نفسه.
أحد الأمثلة البارزة كان هجومه على شبكة CNN، التي وصفها بـ”الأخبار الكاذبة” في مؤتمر صحفي في يناير 2017، متهماً إياها بـ”الكذب المتعمد” حول حجم الحضور في حفل تنصيبه. وفقاً لتقرير مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) في 2018، انخفضت ثقة الأمريكيين في الإعلام من 32% إلى 26% خلال عام واحد من رئاسة ترامب، جزئياً بسبب هذه الهجمات. كما هاجم صحيفة نيويورك تايمز (NYT) وواشنطن بوست، متهماً إياهما بالتحيز السياسي. كذلك أقدم الرئيس ترامب على إعادة تشكيل الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي USAGM وهي التي تشرف على إذاعة صوت أمريكا VOA، إذاعة أوروبا الحرة وشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN. وقد شملت خطواته تعيين إدارة جديدة موالية له وتقليص التمويل وإيقاف برامج دولية كانت تراهن عليها واشنطن في التأثير الخارجي.
لم يقتصر الأمر على المشاحنات اللفظية، بل شمل إغلاقاً فعلياً لبعض المنصات. ففي 2018، أغلقت إدارة ترامب مكتب صحيفة الغارديان في واشنطن، وطردت مراسلها بدعوى “انتهاكات أمنية”، وفقاً لتقرير الغارديان نفسه. فضلًا عن ذلك هدد ترامب بإغلاق قناة MSNBC، قائلاً في تغريدة: “MSNBC هي قناة كاذبة تماماً، يجب إغلاقها!”. كلّ هذه الإجراءات التي اتخذها ترامب اعتبرها الكثيرون أنها غير عشوائية وممنهجة لإضعاف القوة الإعلامية الناعمة لأمريكا.
الإعلام المناهض لترامب: سياساته، أسلوبه، والقنوات الرئيسية
كان الإعلام المناهض لترامب يركز على انتقاد سياساته الداخلية والخارجية، مثل سياسة الهجرة الصارمة، الانسحاب من اتفاقيات باريس للمناخ، والعلاقات مع روسيا. هذه القنوات الرئيسية تشمل CNN، التي غطت حملات ترامب بكثافة، مع مقدمين مثل كريس كوومو ودون ليمون، الذين انتقدوا أسلوبه “الفوضوي”. و MSNBC، بقيادة راش ليمبو وجو سكاربورو، كانت أكثر تحيزاً ضد ترامب، مع برامج مثل “Morning Joe” التي وصفت سياساته بـ”الخطرة على الديمقراطية”. كذلك صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست نشرتا تحقيقات مثل “ستيل دوسييه” (2017)، التي زعمت وجود ملفات روسية عن ترامب، الأمر الذي أثار غضبه. وبحسب دراسة أجريت في جامعة كولومبيا (2020)، كانت هذه الوسائل تغطي ترامب بنسبة 70% سلبية، مقارنة بـ30% إيجابية فقط.
موقف الصحافة الأمريكية اليوم
أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قيود جديدة على تقارير وسائل الإعلام عن الجيش في البلاد، بما في ذلك شرط أن يتعهد الصحفيون بعدم نشر معلومات غير مصرح بها. وبموجب القواعد الجديدة التي كشفت عنها وزارة الحرب، والتي كانت تسمى في السابق وزارة الدفاع، قد يفقد المراسلون اعتمادهم لتغطية الجيش إذا رفضوا التوقيع على تعهد بالموافقة على الكشف عن المعلومات المعتمدة فقط. وحسب صحيفة نيويورك تايمز يجب الموافقة على نشر المعلومات من قبل “مسؤول مخول مناسب قبل نشرها، حتى لو كانت غير سرية”.
شهدت العلاقة بين دونالد ترامب والإعلام الأميركي فصلًا جديدًا من التوتر بعدما رفع الرئيس السابق دعوى تشهير ضخمة ضد صحيفة نيويورك تايمز طالب فيها بتعويض قدره 15 مليار دولار، متهمًا إياها بنشر تقارير ومضامين «مضلِّلة» أضرّت بسمعته وبأعماله خلال المرحلة اللاحقة لانتخابات 2024. شملت الدعوى عددًا من أبرز مراسلي الصحيفة، في خطوة اعتبرتها الأوساط الإعلامية تصعيدًا غير مسبوق يهدف إلى الضغط على مؤسسات الصحافة وتقليص هامش نقدها. وزادت حدّة الجدل بعد تقارير أشارت إلى ضغوط سياسية طاولت برامج إعلامية وترفيهية، كان أبرزها تعليق برنامج جيمي كيميل على شبكة ABC، ما أثار مخاوف من تغلّب السلطة على الإعلام وتأثير ذلك في مناخ حرية التعبير في الولايات المتحدة. هذه التطورات تؤشر إلى مرحلة يتزايد فيها الاشتباك بين السلطة السياسية ووسائل الإعلام، في سياق يعيد طرح أسئلة جوهرية حول استقلالية الصحافة ودورها الرقابي.
تفكك القوة الناعمة الأمريكية، فأين الديمقراطية؟
أدى تفكك القوة الناعمة إلى انقسام عميق في المجتمع الأمريكي. وفقاً لتقرير مركز بيو ، انخفضت الثقة في الإعلام إلى 24%، مع انقسام حاد بين الجمهوريين (الذين يثقون بنسبة 10%) والديمقراطيين (50%). هذا أثر على الانتخابات، حيث اعتمد ترامب على قاعدته الموالية، مما أدى إلى هجوم الكابيتول في 6 يناير 2021 عندما اقتحم مؤيدو الرئيس ترامب مبنى الكونغرس الأمريكي أثناء انعقاد جلسة المصادقة على نتائج الإنتخابات الرئاسية التي فاز بها جو بايدن، والذي وصفته وسائل الإعلام بـ”محاولة انقلاب”، بينما دافع عنه ترامب كـ”احتجاج سلمي”.
أما على المستوى الدولي، أضعف هذا التفكك صورة أمريكا كدولة ديمقراطية. إذ تراجعت حرية الصحافة في أمريكا، مع تصنيفها كـ”دولة حرة جزئياً” لأول مرة، بحسب تقرير من منظمة فريدم هاوس.
في الختام، ساهم دونالد ترامب في تفكيك القوة الناعمة الأمريكية من خلال هجماته المتكررة على وسائل الإعلام، ما أدى إلى فقدان الثقة، انقسام مجتمعي، وتراجع الصورة الدولية لأمريكا كدولة ديمقراطية. مع تعريف القوة الناعمة من قبل جوزيف ناي واستثماراتها المليارية، يظهر أن هجمات ترامب لم تكن مجرد رد فعل، بل استراتيجية أضعفت أداة أساسية للتأثير العالمي.
