حوار: هلا حداد
في بلدٍ تتحوّل فيه المناسبات إلى طقوس شكلية، تصرّ الإعلامية داليا داغر على إعادة الميلاد إلى جوهره: فعل محبة، والتزام إنساني، ومسؤولية تجاه الأكثر هشاشة. للمرّة الرابعة عشرة، تطلق رئيسة جمعية «سطوح بيروت» تيليتونًا ميلاديًا لا يكتفي بجمع التبرعات، بل يقدّم شهادة حيّة عن إيمان يُمارَس بالفعل لا بالشعارات، وعن تضامن يتخطّى المناطق والطوائف. في هذا الحوار، تتحدّث داغر عن «التيليتون» كمسار حياة، وعن تجربتها المؤثرة أمام البابا في حريصا، وعن لبنان المتعب الذي لا يزال يستحق المحاولة، في شهادة شخصية صادقة تمزج الإيمان بالعمل، والوجع بالأمل، والفرح بالمسؤولية.
كم مرّة تلتقين بيسوع خلال اليوم؟
مع مرور الوقت، بدأت أعي أن يسوع حاضر في حياتي من خلال وجوه المحتاجين الذين أساعدهم. أنا جسر بين الأيادي البيضاء والناس الذين يحتاجون إلى المساعدة. ومع الوقت، فهمت الرسالة العميقة التي يحملها «التيليتون» في زمن الميلاد، وصرت أرى يسوع في عيون كل محتاج ومتألم. وإذا كان حاضرًا في وجوههم، فأنا ألتقي به، على الأقل، عشرين إلى ثلاثين مرة في اليوم.
هل تلتزمين بالطقوس الليتورجية؟
لست ملتزمة بالقداديس والطقوس الدينية بالشكل التقليدي، لكن لدي تواصل إيماني عميق مع الله، ويسوع المسيح، ومريم العذراء، وعدد من القديسين. أنا مؤمنة علمانية ألتزم بمبادئ روحية واضحة، وأعتبر أن خدمة الناس هي جوهر الممارسة الإيمانية. بالنسبة إليّ، الإيمان والتفاعل مع الآخرين هما الطريق المباشر لإيصال رسالة الله، وهي رسالة أعمق بكثير من مظاهر العيد وزينته.
هل ترين تناقضًا بين بهرجة العيد والعمل الإنساني والاجتماعي؟
أحب الزينة والفرح واللقاءات والعزائم، لكن فرحتي لا تكتمل إلا مع إنجاز «التيليتون». من الجميل جداً أن تترافق زينة العيد مع الإحساس بألم الآخرين. لا يكفي أن نبدو سعداء على مواقع التواصل الاجتماعي، بل الأهم أن نكون قادرين على إدخال الفرح إلى قلوب غيرنا. فمثلًا، إذا بلغت كلفة زينة شجرة الميلاد 500 دولار، يمكن الاكتفاء بـ250 دولارًا وتخصيص المبلغ المتبقي لمساعدة من هم بحاجة. صدّقيني، هناك من يفرح ويعطي بصمت، وهذا أجمل أشكال العطاء.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
كيف تقيّمين وضع البلد هذا العام؟
نحن نعيش في بلد غير مستقر تمامًا، بل نحاول جاهدين أن نوفّر لأنفسنا حدًّا أدنى من الراحة. نحن شعب يحب الحياة ويرفض الذل، ومجبول على الفرح رغم قسوة الظروف. لكن لا يمكن إنكار الواقع: هناك عدد كبير من الناس المحتاجين، وكرامتهم تمنعهم من البوح بأوجاعهم، فيما الدولة، للأسف، عاجزة عن الوقوف على قدميها.
ماذا عن «التيليتون» هذا العام (النسخة الرابعة عشرة)؟
في العام الماضي، شعرت بإرهاق كبير، وقررت أن أركّز فقط على مشروع «نساء الشمس»، ولم تكن لديّ نية لتنظيم «تيليتون» جديد. لكن عندما وصلتني الموافقة من الفاتيكان لتقديم شهادة حياتي أمام البابا في حريصا، شعرت أن هذه إشارة تدعوني إلى إطلاق «تيليتون» جديد، رغم ما يتطلبه من جهد وموازنة. تواصلت بعدها مع الأخت مايا بو عينو، وطلبت منها تحديد عائلات محتاجة في الجنوب، والموافقة على تصوير حالاتهم، لأن الناس تتفاعل أكثر مع الحالات الموثّقة بالصورة.
هل بدأتِ من الجنوب؟
نعم، بدأنا من الجنوب. حين زرنا العائلات هناك، فوجئوا بأن «جماعة بيروت» حضروا لمساندتهم. بعضهم يستدين ثمن علبة تونا من الدكّان؛ شعرت كأننا نعيش في العام 1900. هؤلاء الناس كانوا يعملون في أرضهم، واليوم خسروا الأرض ولم يعد لديهم مأوى آخر. وجعهم لا يُحتمل، وسنحمل قضيتهم في عيوننا، وننقل صوتهم وصورتهم إلى المسؤولين وإلى العالم، علّهم يساعدوننا على مساعدتهم. وبعد الجنوب، توسّعت الحملة لتشمل حالات من البقاع، وعكّار، وطرابلس، وبيروت، ومن مختلف المناطق اللبنانية.
كم حالة ستُعرض خلال «التيليتون»؟
بدأنا الحملة في الرابع عشر من الشهر، وسنكون على الهواء مباشرة لمدة أربع عشرة ساعة، نعرض خلالها أربع عشرة حالة. وسيشاركنا ضيوف من خارج لبنان. وللأسف، طرقنا أبواب جهات كثيرة ولم لنقَ استجابة، لكننا ما زلنا مؤمنين بأن الخير موجود، وبأن هناك من سيقدّم المساعدة من قلبه.
سنة بعد سنة، هل تتزايد التحديات؟
بالتأكيد، التحديات تتزايد عامًا بعد عام. ما زال لديّ أمل بلبنان، لكن تعافي البلد يحتاج إلى وقت. فالمئة دولار التي كانت تُحدث فرقًا ملموسًا في بداية الأزمة، لم تعد تكفي اليوم، إذ لا تزال معاناة الناس تتفاقم صحيًا واقتصاديًا ومهنيًا، إضافة إلى الضغوط والتهديدات اليومية. أزمة هذا العام أعمق، ونلمس انعكاساتها مباشرة في أعمالنا الخاصة ومع الموظفين. الناس متعبة، وتحتاج إلى وقت وإلى ظروف أكثر استقرارًا كي تتعافى. وإن شاء الله، تتكاثر المبادرات، فنتمكّن من مساعدة أكبر عدد ممكن من المحتاجين.
هل تختلف المبادرات بين مؤسسة وأخرى؟
نعم، تختلف. فبعض المؤسسات تحظى بتغطية إعلامية واسعة وبإمكانات كبيرة، فيما تعمل جمعيات أخرى بصمت، وتذهب بنفسها إلى بيوت الناس بحثًا عن المحتاجين الحقيقيين. أتمنى على المتبرعين للمؤسسات الكبرى أن يفكّروا بتوزيع تبرعاتهم بعدالة أكبر، وأن يخصصوا جزءًا، ولو بسيطًا، لدعم الجمعيات الصغيرة التي لا تصلها الأضواء. فكل مساعدة، مهما كانت متواضعة، تُحدث فرقًا. هناك عائلات قد يغيّر القليل مجرى حياتها، ودعاؤها يوسّع دائرة النعمة في حياة من يساعدها. وكما يُقال: «البحصة تسند الخابية، وفلس الأرملة بيجمع».
ماذا عن وقوفك أمام البابا؟
كان موقفًا بالغ التأثير. كانت صرخة امرأة علمانية وسط الإكليروس. تحدّثت عن مرارة شعرت بها تجاه الكنيسة، ولم أعرف كيف أختصر تجربة طويلة بكلمات قليلة. لكنني شعرت بإشارة إلهية واضحة تؤكد أن الطريق ما زال أمامي، وأن عليّ ألا أتوقف أو أستسلم. ومن هنا جاء الإصرار على تنظيم التيليتون الرابع عشر هذا العام.
