“آل عازار وعرُوسْ الشَّلَّال”/ بقلم :فادي يوسف
انضم الآنتابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
جزين مدينة لبنانية متألقة في قضاء جزين – جنوب لبنان، وتقع هذه المدينة على خط يصل ميناء صيدا بالشوف ثم البقاع فسوريا، مما يعطيها دور “عقدة عبور” أثّر في حضورها ضمن توازنات السلطة والإقتصاد عبر العصور. تعاقبت على منطقتها سلطات وإمبراطوريات وجيوش متعددة (منها العثمانيون والفرنسيون والسوريون والإسرائيليون وغيرهم) ما انعكس على البيئة السياسية والإجتماعية للمدينة والبلدات في الأطراف والجبال. مع نهاية الحكم العثماني وبداية الإنتداب الفرنسي، أعيد تنظيم الكيان اللبناني ضمن ترتيبات سياسية جديدة مهدت لاستقلال الدولة الحديثة وتوازناتها الطائفية، حيث برزت التركيبة السكانية المتنوعة طائفياً لجزين بغالبيتها المسيحية، وهذا العامل ظل مؤثراً في اتجاهاتها السياسية والتمثيلية المحلية. ونظراً لأهمية دورها المسيحي المعتدل في المنطقة والمحيط وإبان الإحتلال الإسرائيلي لها في الثمانينات؛ ونظراً لاهتمام وعناية البابا يوحنا بولس الثاني، فقد أرسل إليها موفداً خاصاً مقيماً هو المونسنيور سلستينو بوهيغاز لتأمين حماية دولية لها، بعد ما تعرضت له من مخاطر خلال ما سُمِّي بـ “أزمة جزين”، في إشارة إلى حساسية موقعها وتداخل القوى الإقليمية حولها، وبالتالي فإن خلاصة المسار السياسي لجزين: مدينة حدّية بين الجبل والبقاع والجنوب، صاغت هويتها السياسية عوامل الموقع والطائفة وتحولات الدولة والحرب والإحتلال ثم العودة إلى المسار المؤسساتي..
اعتمد المجتمع الجزيني تاريخياً على نمط العائلة الممتدة، حيث شكّلت العائلات الكبرى وحدات اجتماعية واقتصادية وسياسية متماسكة، ومع ضعف الدولة المركزية في مراحل تاريخية متعددة، لعبت هذه العائلات دور الوسيط بين السكان والسلطات الحاكمة، وأسهمت في إدارة الشؤون المحلية وحلّ النزاعات وتنظيم الموارد. ومن هذه العائلات نذكر: آل عازار وكنعان وسرحال ورزق وعزيز والأسمر والمعوشي وناصيف وأسود والحلو وحرفوش وغيرهم، من الذين كان لهم تأثير عميق في تشكيل هوية المدينة خصوصاً إبان فترة الإنتداب الفرنسي حتى يومنا هذا حيث تحوّل نفوذ هذه العائلات تدريجياً من الدور الإجتماعي التقليدي إلى أدوار سياسية وإدارية أكثر وضوحاً.
تُعدّ عائلة عازار من أبرز العائلات الجزينية التي ارتبط اسمها بتاريخ المدينة الإجتماعي والسياسي، حيث تعود جذور العائلة إلى مراحل مبكرة من الإستقرار المسيحي في المنطقة. لعب أفرادها أدواراً بارزة في مجالات التعليم والمحاماة والوظيفة العامة والسياسة، وأسهموا في ترسيخ صورة جزين كمدينة متعلمة ومنفتحة. وقد برز اسم العائلة في الحياة العامة اللبنانية وذلك على مدى عقود، لا سيما من خلال التمثيل النيابي والمشاركة في القرار الوطني، ما جعلها حلقة وصل بين المدينة وقضائها والدولة المركزية، هذا الحضور لم يكن قائماً فقط على النفوذ الإنتخابي، بل أيضاً على شبكة علاقات إجتماعية واسعة داخل القضاء وخارجه. ونواب آل عازار الذين تعاقبوا منذ عهد الإستقلال وحتى تاريخه هم:
ابراهيم عازار : 1947-1950
رشاد عازار : 1951-1952
سمير عازار : 1992-2009
ابراهيم عازار : 2018-2022
هؤلاء النواب جسّدوا نموذج العائلة الجزينية القادرة على الجمع بين الإنتماء المحلي، الحضور الوطني، والإستمرارية عبر التحولات التاريخية الكبرى التي عرفها لبنان. والذي ميّز آل عازار عن باقي العائلات الجزينية هو الإختلاف في أنماط النفوذ وأشكال الحضور العام. فقد ارتكز نفوذ هذه العائلة على الجمع بين التمثيل الشعبي الواسع، والإستمرارية التاريخية، والإنخراط المباشر في الحياة السياسية الوطنية، ولا سيما عبر التمثيل النيابي والمشاركة في القرار العام، ما منحها بُعداً يتجاوز الإطار المحلي للمدينة وتحولاً مستداماً إلى نفوذ سياسي وطني..
منذ العام 2000 وحتى يومنا هذا ومع عودة الإنتظام المؤسساتي، استطاعت عائلة عازار تحويل موقعها المحلي إلى دور سياسي مركزي مرتبط مباشرة بتوازنات الجنوب والدولة، حيث استمرت هذه العائلة من خلال النائب الراحل سمير عازار (رجل الوحدة والإنفتاح) ومن بعده نجله ابراهيم في لعب دور سياسي تمثيلي، ما جعلها أحد أعمدة الحياة العامة في جزين المعاصرة، عبر دخولها مرحلة جديدة تمثلت في التحول من النفوذ الإجتماعي إلى العمل السياسي المنظم، فبرز اسم العائلة في الإنتخابات النيابية والبلدية، مستنداً إلى قاعدة شعبية متماسكة داخل القضاء..
في مرحلة ما بعد “الطائف”، دخلت عائلة عازار مرحلة إعادة تموضع سياسي، فبينما شهد الجنوب تحولات عميقة بفعل استمرار الإحتلال الإسرائيلي حتى العام 2000، حافظت العائلة على حضورها السياسي مستندة إلى:
- شرعية تمثيلية متجذرة.
- شبكة علاقات محلية واسعة.
- إدارة العلاقة مع السكان في مرحلة الإحتلال.
- التفاعل مع الوقائع الأمنية المعقدة.
- تمثيل جزين في النقاشات الوطنية المرتبطة بالجنوب والإحتلال.
- دور تاريخي يصعب تجاوزه في المعادلة الجزينية.
خلال هذه المرحلة تحوّل خطاب العائلة تدريجياً من خطاب أمني – سياسي إلى خطاب يركّز على الإنماء، إعادة الإعمار، والدفاع عن دور جزين داخل الدولة، مع استمرار التمثيل النيابي والبلدي والتحوّل إلى مرجعية سياسية ثابتة في القضاء.
من إنجازات آل عازار خلال الربع قرن المنصرم ما يأتي:
- إنشاء أوتوستراد صيدا – جزين.
- تعبيد الطرقات في القرى وإنشاء جدران الدعم والبنى التحتية على أنواعها.
- تأمين وظائف عديدة في الإدارات والوزارات والمؤسسات.
- ملاحقة شؤون المواطنين ومواكبة شجونهم.
- تقديم اقتراحات قوانين في الجلسات واللجان النيابية.
- بناء سراي جزين الحكومي.
- إنشاء وتطوير مستشفى جزين الحكومي.
- بناء ثانوية جزين الرسمية ومدرسة عين مجدلين.
- بناء عدة مدارس في بلدات القضاء.
- المساهمة في بناء ثكنة الجيش اللبناني في جزين.
- جعل جزين مدينة نموذجية من خلال تعبيد الطرقات وإنشاء جدران الدعم والأرصفة وإنشاء البنى التحتية الحديثة وتشجير المرتفعات وبناء المسلخ وغيرها من المشاريع التي لا يمكن حصرها الآن.
هذا وقد شغل النائب الراحل سمير عازار رئاسة لجنة المال النيابية وكذلك لجنة الأشغال العامة لسنوات عديدة بعد أن كان قبل ذلك نائباً لرئيس مجلس إدارة “مجلس الجنوب”.
وأما نجله النائب السابق ابراهيم عازار والذي يكمل مسيرة العائلة فقد شغل مناصب عديدة منها:
- عضو لجنة الإدارة والعدل
- عضو لجنة الشؤون الخارجية
- عضو لجنة حقوق الإنسان
- رئيس لجنة الفرنكوفونية
- عضو لجنة الصداقة مع مجلس الشيوخ الفرنسي
- عضو لجنة الصداقة مع كل من: روسيا – انكلترا – سويسرا واليابان.
بالإضافة إلى تقديم عشرات اقتراحات القوانين في الندوة البرلمانية وحضور فاعل تحت قبة المجلس النيابي وفي المحافل الدولية.
وعلى الصعيد الوطني، وفي الدلالة السياسية بخاتمة الأمر، فإن آل عازار انتقلوا من وضع “تمثيل نيابي مباشر” إلى وضع “حضور مؤثر ومحوري محلياً/انتخابياً”.
عسى في الختام، أن نكون من خلال ما تقدم، قد ألقينا الضوء وبشفافية على بيت من بيوتات السياسة اللبنانية الوطنية العريقة، نرى في وجودهم في الندوة البرلمانية ونجاحهم في الإنتخابات القادمة نجاح الوطن وتقدمه وازدهاره..
