أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما قسرآ خارج فنزويلا. حيث صرّح الرئيس ترامب أن الرئيس الفنزويلي وزوجته سيواجهان العدالة الأميركية وسيمثل مادورو أمام محكمة اتحادية في نيويورك بتهم منها تهريب المخدرات. مما يجعل من السلوك الأميركي اليوم سابقة خطيرة على مستوى العلاقات الدولية وقواعد النظام الدولي السائد، لذلك من الضروري إبداء ما يلي:
١_ نشير بداية الى أن رئيس الدولة هو الممثل الأعلى للدولة امام الدول الأخرى، فهو الذي يقوم بزيارات خارجية وعقد لقاءات مع قادة دول العالم، ولهذه الغاية أحاط القانون الدولي رئيس الدولة بمجموعة من الضمانات التي تكفل له القيام بأداء مهامه خارج النطاق الجغرافي لدولته، بشكل يحفظ له كرامته ويصونها، كونه الرمز السيادي للدولة.ومن هذه الضمانات عدم جواز التعرض لشخصه من قبل السلطات المحلية للدولة التي يقوم بزيارتها، او القيام بأي عمل من شأنه أن يمس كرامته. وقد تعززت الحماية الدولية لرؤساء الدول في العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية، اهمها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام ١٩٦١، وقرار مجمع القانون الدولي الصادر في باريس عام ٢٠٠١ الذي اعتبر ان شخص رئيس الدولة يجب أن يكون محل احترام وتقدير على أرض أي دولة أجنبية.وأنه لا يجوز أن يخضع للقبض او الحبس من قبل سلطاتها المحلية التي يجب عليها أن تعامله باحترام وتقدير وأن تتخذ كافة الاجراءات اللازمة لمنع وقوع أي اعتداء على حياته او المس بكرامته.
٢_ إن اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته ونقلهما قسرآ خارج حدود فنزويلا يشكل انتكاسة وتقويضآ خطيرآ لأسس النظام القانوني الدولي الحالي ويعكس عودة منطق القوة الذي كان سائدآ قبل تأسيس الأمم المتحدة عام ١٩٤٥، وبالتالي يفتح الباب أمام إحتمالية فوضى في المشهد الدولي لجهة إعطاء ذريعة لأي دولة قوية بأن تصدر مذكرة اعتقال بحق رئيس دولة أخرى وتغزو أراضيها لتنفيذ هذه المذكرة بالقوة.
٣_ إن الإعتقال الذي حصل للرئيس الفنزويلي باستخدام القوة العسكرية الأميركية يشكل انتهاكآ لمبدأ السيادة الوطنية الذي يكفله ميثاق الأمم المتحدة، لأنه يلزم الدول بالإمتناع عن استخدام القوة ضد السلامة الأقليمية او الاستقلال السياسي لأي دولة.
٤_ من أهم الجوانب القانونية المتعلقة باعتقال الرئيس مادورو، الانتهاك الفاضح لمبدأ الحصانة السيادية لرؤساء الدول، لأن الأعراف والاتفاقيات الدولية تمنح رؤساء الدول اثناء ممارستهم لمهامهم الرسمية حصانة كاملة ن الخضوع للسلطات القضائية الأجنبية،وهذا المبدأ رسخته محكمة العدل الدولية في العديد من احكامها، فمثلآ قضت في العام ٢٠٠٠ بعدم جواز محاكمة وزير خارجية الكونغو الديمقراطيةإيبولا دومباس أمام القضاء البلجيكي.وفي العام ٢٠٠٠ رفضت إحدى المحاكم الاميركية الطلب المقدم اليها لمحاكمة رئيس زمبابوي روبرت موجاني كونه يتمتع بحصانة ضد المحاكمة أمام القضاء الوطني باعتباره رئيسآ لدولة اجنبية. وفي العام ٢٠٠١ رفضت محكمة النقض الفرنسية السماح بإقامة دعوى قضائية ضد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي واتهامه بإسقاط طائرة فرنسية فوق النيجر في العام ١٩٨٩ على اعتبار ان الاعراف الدولية تمنع محاكمة أي رئيس دولة.
٥_ على افتراض وجود اتهامات جنائية مشروعة بحق الرئيس مادورو، فإن المسار القانوني السليم والصحيح يتحقق من خلال المحاكم الدولية المختصة وليس عن طريق اعتقاله بالقوة العسكرية الأجنبية ونقله قسرآ خارج البلاد.فحصانة الرؤساء لا تسقط إلا أمام هيئات قضائية دولية أهمها المحكمة الجنائية الدولية، وهذا ما نصت عليه اتفاقية لروما لعام ١٩٩٨، وبالتالي إن حصانة الرؤساء لا تسقط من خلال الغزو والقوة العسكرية.
٦_ إن المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تتحدث عن المساواة في السيادة بين جميع الدول مهمها كان حجمها أو قوتها، فمنظمة الأمم المتحدة قامت اساسآ على هذا المبدأ.مما يعني ان فنزويلا بصفتها عضوآ في الأمم المتحدة تتمتع بذات الحقوق السيادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأميركية، فلا يجوز لأي دولة مهما بلغ حجمها أو قوتها أن تنتهك سيادة دولة أخرى، لكن الذي حصل اليوم يعكس واقعآ خطيرآ بأن هناك دولة متسيدة على مستوى العالم أو انها دولة درجة أولى تستطيع بكل بساطة ان تعتقل قادة دول أخرى متى شاءت من خلال استخدام قوتها العسكرية وهيمنتها.
٧_ يبرر الرئيس ترامب ان ما قامت به القوات الأميركية اليوم سببه وجود مذكرة اعتقال قضائية بحق الرئيس مادورو، لكن القانون الدولي حاسم على هذا الصعيد، إذ أن الاختصاص القضائي للدولة وفقآ لأحكام القانون الدولي تمارسه الدولة داخل اقليمها على ما يتم ارتكابه من جرائم. ولا يمتد هذا الاختصاص ليشمل رؤساء دول أخرى يمارسون مهامهم داخل حدود دولتهم.وبالتالي في حال ارتكاب الرئيس مادورو لجرائم دولية وفقآ لما تدعيه الولايات المتحدة الأميركية، فالإجراء القانوني السليم يستوجب تقديم الأدلة الثابتة بحقه أمام آليات الملاحقة والمساءلة الدولية وليس إصدار مذكرة اعتقال أميركية وتنفيذها بالقوة العسكرية.
