الدم الذي أعاد ترتيب المنطقة | قراءة في السابع من اكتوبر وما كشفته الصدمة من خرائط السلطة والخسارة
ما كُتب هنا ليس حقيقة مكتملة النصاب، ولا اتهامًا مباشراً،ولا رواية بديلة أطالب أحدًا بتصديقها. بل هو محاولة لتفكيك الأحداث، بمقاربة تحليلية قائمة على مراقبة ما جرى وما تلاه، وعلى طرح أسئلة قد تبدو مزعجة لكنها مشروعة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
بداية، أنا لا أُخوّن المقاومة الفلسطينية، ولا أشكّك ببطولة من قاتلوا واستُشهدوا، ولا أتعامل مع الدم الفلسطيني كأداة تحليل باردة. لكنني في الوقت ذاته لا أستطيع أن أتعامل مع طوفان الأقصى كحدث نقي وبسيط في المفهوم السياسي، ولا أن أُسلّم بأن ما جرى كان منفصلًا عمّا كان يحدث في إسرائيل والمنطقة.
لنعد قليلًا إلى ما قبل تاريخ 7 أكتوبر؛ كانت إسرائيل تعيش واحدة من أخطر أزماتها الداخلية. الانقسام كان عموديًا، الاحتجاجات كانت تهدد بنية الدولة، والجيش نفسه لم يكن بمنأى عن التصدّع. بنيامين نتنياهو كان محاصرًا سياسيًا وقضائيًا، ومهددًا فعليًا بنهاية مسيرته. في علم السياسة، تُعرف هذه اللحظات بلحظات الاختناق الداخلي، حين يصبح الخارج طوق نجاة للداخل، وحين تتحول الأزمة الداخلية إلى خطر وجودي على صاحب القرار.
وما إن أطلّت صبيحة السابع من أكتوبر، حتى انقلب المشهد بالكامل داخل إسرائيل ما بعد الصدمة. توقفت الأسئلة الداخلية، خفت صوت الاحتجاجات، أُعلنت حالة الطوارئ، وعاد نتنياهو فجأة إلى موقع “قائد الحرب”. هنا لا يمكن تجاهل ما تسميه بعض المدارس السياسية بتدوير الأزمة، أي نقل الصراع من الداخل القابل للمساءلة إلى الخارج الذي يفرض الاصطفاف. لا أقول إن الهجوم صُنِع لهذا الغرض، لكن من الصعب إنكار أن نتيجته السياسية أنقذت رجلًا كان على وشك السقوط.
يزداد هذا الشعور ثقلًا حين نتأمل حجم الاختراق نفسه. ما جرى لم يكن حادثًا أمنيًا عابرًا، بل انهيارًا متزامنًا لعدة طبقات حماية. في مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال فقط عن الفشل، بل عن الحدود الفاصلة بين الفشل والقبول بالمخاطرة. هنا تحضر نظرية الصدمة، التي تقول إن السلطة لا تحتاج دائمًا إلى صناعة الكارثة، يكفي أحيانًا أن تفسح لها المجال لتحدث أو تفشل في ردعها، ثم تستثمرها بلا قيود بعد وقوعها. الصدمة تعطل المساءلة، وتعيد ترتيب الأولويات، وتمنح السلطة مساحة لم تكن تملكها قبلها.
في محاولة لفهم ما جرى بعيدًا عن التبسيط الأخلاقي أو شيطنة الأفراد، تبدو بعض الأسئلة ضرورة لا ترفًا. في هذه القراءة، لا أرى يحيى السنوار خائنًا، بل قائدًا ميدانيًا صادقًا وجد نفسه داخل معادلة شديدة القذارة. الفرضية هنا أن الحدث، بوصفه فكرة وقرارًا سياسيًا، لم يتشكّل من داخل غزة وحدها، بل كان فكرة مستوردة دفعتها أطراف من الجناح السياسي للحركة الموجودة في الخارج، لعبت دورًا في بلورة الفكرة والتخطيط السياسي لها، في مقابل أن يتولى الجناح العسكري تنفيذها ميدانيًا. هذه الأطراف تحكمها حسابات معقّدة، وتحركات إقليمية متشابكة، واتصالات غير معلنة، جرت ضمن دور إقليمي مزدوج بوصفها حاضنًا سياسيًا ووسيطًا في آنٍ معًا. وفي سياقٍ إقليمي بالغ التعقيد، يبقى احتمال تقاطع المصالح أو التنسيق غير المباشر مع إسرائيل قائمًا، من دون القدرة على الجزم بطبيعته أو مستواه أو حدوده الفعلية.
في هذا الإطار، لم تُقدَّم الفكرة للسنوار على أنها مغامرة انتحارية أو مقامرة غير محسوبة، بل جرى تسويقها بوصفها عملًا بطوليًا وفرصة تاريخية لكسر إسرائيل المنقسمة، وفعلًا فلسطينيًا خالصًا يجب أن يبقى محاطًا بأعلى درجات السرّية كي ينجح. السرّية هنا لم تكن فقط خوفًا من الاختراق الإسرائيلي، بل أيضًا أداة مقصودة لمنع أي فرملة محتملة من داخل محور المقاومة. قيل إن أي تواصل موسّع مع المحور قد يكون مخترقًا، وإن أي نقاش استراتيجي معمّق قد يضيّع اللحظة التاريخية. بهذا المنطق، تحولت السرّية إلى غطاء أخلاقي وسياسي في آنٍ واحد، وجعلت القرار يبدو وطنيًا خالصًا وغير قابل للتشكيك أو المراجعة
من الطبيعي، في هذا السياق، أن يفترض الجناح العسكري للحركة أن محور المقاومة، وخصوصًا حزب الله واليمن، لن يتخلوا عن غزة بعد وقوع الحدث، وأن الإسناد سيأتي لاحقًا مهما كانت الكلفة. لذلك جاء الإبلاغ قبيل التنفيذ بوقت قصير جدًا، وقت لا يسمح بمراجعة ولا يتيح منعًا، بل يفرض على الحلفاء التعامل مع الأمر الواقع. في السياسة، هذا ليس سوء تقدير عابر، بل أسلوب معروف، حين يُدفع الآخرون إلى المواجهة لا لأنهم اختاروها، بل لأن التراجع عنها يصبح مستحيلًا أخلاقيًا وسياسيًا.
ومن هنا يتكشّف مأزق المحور في صورته الأكثر قسوة. محور المقاومة لم يكن أمامه خيار فعلي. عدم الإسناد كان سيُقرأ خيانة، والمشاركة كانت تعني الانخراط في مواجهة غير مخطّط لها بما يكفي، ولم تُحسب لها الكلفة ولا المسارات ولا النهايات على نحو استراتيجي. وبين هذين الحدّين، تحركت الساحات بلا وحدة، وتقاتلت بلا أفق جامع، ودُفعت الكلفة جماعيًا، فيما تفرّقت النتائج، وبقي شعار وحدة الساحات معلّقًا كغطاء سياسي بعد أن سقط كخيار واقعي. كانت تلك، في جوهرها، حربًا فُرضت بوقائعها، وسِيق إليها المحور قبل أن يختارها.

ما تلا ذلك كان أكبر بكثير من الهدف الأولي. من الصعب الاعتقاد أن خيال بنيامين نتنياهو عشية 7 أكتوبر كان يطمح إلى هذا الحجم من الانفجار الإقليمي. الهدف الأرجح كان أبسط وأقرب، إخماد الداخل الغاضب وتدوير أزمة داخلية خانقة إلى أزمة وجودية خارجية تُعلّق الأسئلة وتُجمّد المساءلة. غير أن ما تكشّف لاحقًا بدا كأنه استثمار متدرّج في لحظة خرجت عن السيطرة، جرى توسيعها واستغلالها حتى حدودها القصوى.
غزة تحوّلت إلى أرض محروقة. مدينة كاملة أُخرجت من الزمن، لا بوصفها ساحة قتال فحسب، بل بوصفها فضاءً جُرِّد من مقومات الحياة ذاتها. اغتيال قادة كبار في حماس، ثم اغتيال سماحة الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، واغتيال قيادات مركزية في محور المقاومة، إلى جانب عملية البيجر، لم تكن مجرّد ردود عسكرية متفرّقة، بل مسارًا متكاملًا لإعادة رسم التوازنات بالقوة. الجنوب اللبناني استُنزف حتى حدوده القصوى، وسوريا انزلقت أكثر نحو الفراغ، إلى أن باتت أرضًا مستباحة، تُسلَّم عمليًا لجماعات إرهابية تفتك بالمجتمع وتفتح الطريق أمام إسرائيل لفرض وقائع جديدة، تقضم الجولان وتتمدّد أبعد منه، مستفيدة من تفكك الإقليم، ومن انشغال شعوبه بالنجاة، فيما كانت الخرائط تُرسم فوق أنقاضهم، مع شهود.

وحين اكتملت الخريطة فوق الركام، جاء “مجلس السلام” لا ليوقف الحرب، بل ليُقنّن نتائجها.
في هذا السياق تحديدًا، لا يعود الحديث عن “مجلس السلام” منفصلًا عمّا سبق، بل يبدو امتدادًا سياسيًا طبيعيًا لمسار بدأ بالقوة ويُستكمل بالإدارة. مجلس يُطرح بعد التدمير لا قبله، ويولد من الفراغ لا من العدالة، ليحوّل ما فُرض بالقصف إلى وقائع مُقنّنة، وما أُخذ بالقوة إلى ترتيبات دائمة. هكذا لا يأتي “السلام” هنا لإنهاء المأساة، بل لإدارتها، ولا ليعيد الحق إلى أصحابه، بل ليغلق الملف باسم الاستقرار، فيما تبقى غزة خارج المعادلة، وأهلها خارج القرار، وقضيتها خارج الزمن.
النتيجة اليوم ثقيلة وواضحة. غزة لم تعد مجرد مدينة تحت القصف، بل مساحة محروقة خرجت من الجغرافيا السياسية والإنسانية معًا. أهلها بين شهيد ومهجّر ومنتظر دوره في طابور الفقد، بلا أفق ولا حماية ولا وعد حقيقي بالعودة. محور المقاومة دخل هذه الحرب لأنه لم يكن يملك خيارًا أخلاقيًا آخر، لكنه خرج منها مستنزفًا، من دون أن ينجح في فرض معادلة ردع جديدة أو تحقيق ما سُمّي يومًا بوحدة الساحات. الساحات تحركت، لكنها لم تتوحد، وبقي كل طرف يقاتل ضمن سقفه وحدوده، بينما كانت الكلفة تتراكم على الجميع.
أما المنطقة بأكملها، فقد انزلقت إلى طور أكثر ظلمة، حيث تتراجع الدول، وتتفكك الجبهات، وتُفتح المساحات أمام الفوضى والإرهاب والهيمنة بالقوة. وفي هذا المشهد، لا يبدو ما يُسمّى بـ”مجلس السلام” سوى الامتداد السياسي الطبيعي لهذه الكارثة، أداة لإعادة هندسة غزة بعد تدميرها، لا بوصفها أرض شعب وحق، بل كملف إداري وأمني يُدار من الخارج. سلام يُطرح فوق الركام، ويُصاغ في غياب أهله، ويُقدَّم بوصفه حلًا، فيما هو في جوهره استكمال للحصار بأدوات ناعمة، واستكمال للاقتلاع بلغة القانون والتنمية والاستقرار.
في المقابل، يظهر بنيامين نتنياهو اليوم وهو يفاوض العالم من موقع القوة، لا لأنه انتصر أخلاقيًا أو سياسيًا، بل لأن الصدمة الكبرى أعادت خلط الأوراق لصالحه، ومنحته ما كان يفتقده قبل الحرب: الوقت، والشرعية، وغطاء الاستمرار. ومن هذا الموقع تحديدًا، تتحول مشاريع “السلام” إلى وسيلة لفرض وقائع نهائية على غزة، لا بالقصف وحده، بل بإعادة تعريفها سياسيًا وجغرافيًا، بعدما سقطت العوائق واحدة تلو الأخرى، كأحجار دومينو تدحرجت دفعة واحدة.
أنا لا أقدّم جوابًا نهائيًا، ولا أتطلع إلى تبنّي هذه القراءة بوصفها حقيقة مكتملة. ما أكتبه هنا ليس الحقيقة، بل ربما ظلّها؛ ليس يقينًا، بل ارتجاف سؤال في ليل السياسة الطويل. قد تُخطئ هذه القراءة، وقد يأتي زمن يُقال فيه إن بعض ما كُتب هنا كان أقرب إلى الحقيقة من كل ما قيل رسميًا. فالتاريخ لا يكشف وجهه لحظة وقوع الجريمة، بل بعد أن يفرغ الفاعلون من تبريرها، وبعد أن يُدفن الضحايا بما يكفي كي يصمتوا.
في السياسة، الكارثة ليست دائمًا بريئة، ولا الرواية دائمًا كاذبة. الأخطر هو الصمت والخضوع حين يصبحان سياسة بحدّ ذاتهما، وحين تُدفن الأسئلة لا لأن إجاباتها مجهولة، بل لأن نطقها أثقل من أن يُحتمل.
نحن، تاريخيًا، ندفع دماءنا ثمنًا للحرية، ويكون الدم في لحظاته الكبرى مفتاحًا يفتح أبواب القضايا ولا يغلقها. لكن ما جرى هنا كان مختلفًا وقاسيًا على نحو غير مسبوق. هنا لم يتحوّل الدم إلى طريق نحو التحرر، بل إلى ختم أُغلق به ملف القضية الفلسطينية، وإلى قفلٍ ثقيل أُسدل على المقاومة، لا لأنها هُزمت أخلاقيًا، بل لأن دمها استُخدم لإنهاء السؤال لا لفتحه.
