يعيش المتعلّمون في لبنان واقعًا تربويًّا مأزومًا، يتخبّطون بين ضرورة النّجاح في سبيل تأمين مستقبلهم، وبين كثافة الدّروس الّتي لا يمكن تجاوزها، إذ إنّها تحتاج نهارًا فوق نهارهم، فالمتعلّم يغادر منزله في الصّباح الباكر، يبدأ نهاره عند السّاعة الثّامنة، في صفوف غالبيّتها مكتظّة، ويظلّ على الحال نفسها حتّى السّاعة الثّانية والنّصف، وإذا قدّرنا الوقت فإنّنا نستشرف إرهاقًا على الدّماغ، لا يمكن أن يحقّق الفرد من خلاله توازنًا بين مكتسباته المعرفيّة وإمكانيّة استثمارها في واقعه، فالمتعلّم بين خيارين إمّا أن يقضي وقته بين الكتب الّتي لا تنمّي مهاراته الإبداعيّة، وإمّا أن يقصّر في دروسه المقرّرة سعيًا في العمل على تطوير مهاراته الحياتيّة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يعدّ التّعليم في لبنان تقليديًّا من حيث اعتماد مناهج لم يعدّل عليها منذ أكثر من عشرين سنة، فلم تعد تقارب طموحات أجيال تعوّل على التّكنولوجيا في معظم أمور الحياة، إن لم يكن في كلّها، ولا ننكر تغييرًا في بعض المدارس ولكنّه تغيير خجول، لا يلبّي احتياجات الواقع المعاصر، وإذا أردنا تسليط الضّوء على الفروض البيتيّة على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ المتعلّم يستطيع الحصول على الحلّ بيسر من دون معوّقات، ما يعني ضرورة تثبيت المعلومة من خلال استراتيجيّات أخرى، كما لا بدّ من تدريب الأساتذة على استراتيجيّات تجمع بين الذّكاء الاصطناعيّ والدّروس، فيعطى المتعلّم فرصة بحيث لا يجري منعه عن المرغوب الّذي يعزّز عنده البحث فيه حدّ الغرق.
أمّا في ما يخصّ التّقويم، ونحن في خضمّ امتحانات نصف السّنة الّتي ترمي بثقلها على كاهل الأهل كما المتعلّم قلقًا وخوفًا، فالمتعلّم لا يستطيع تلبية رغبة أساتذته في استيعاب الكمّ الهائل من الحشو، فذلك الأمر لا طائل منه، لا بل إنّه يشتّت ذهن الطّالب فيقلّص من إمكانيّة تطوير مهاراته، كما أنّ التّكثيف في تحديد المطلوب للدّرس لا يراعي في حدّه الأدنى الفروقات الفرديّة بين المتعلّمين، ونحن لا نتكلّم عن امتحان يلائم مستوى الصّفّ، ويراعي الكفايات المطلوبة، لكنّنا نتحدّث عن كميّة كبيرة من الدّروس تجعل المتعلّم تائهًا، ما يفضي إلى نفور واضح، وقلق يتجسّد تراجعًا في الأداء، وهذا يعني أنّ الأستاذ مطالب بتحديد مجموعة من الكفايات تراعي المدّة الزّمنيّة، كما تراعي قدرات المتعلّمين، وإذا راجع الأستاذ نفسه، سيجد أنّه ليس باستطاعته تحمّل ما يطلبه من المتعلّم للدّرس في يوم أو يومين قبل الامتحان، حتّى وإن كان المتعلّم قد تابع بشكل يوميّ، ولم يكن مقصّرًا، إلّا أنّ قدرته على مراجعة المطلوب ليست خارقة، وهو لا يمتلك فانوسًا سحريًّا، ولا بدّ من التّأكيد على أنّ الهدف الأسمى من التّعليم هو تحفيز المتعلّم على الابتكار والإبداع، وحثّه على التّفكير النّقديّ، وغيرها من المهارات الّتي ستكون لبنة الأساس في بناء مستقبله التّعليميّ من جهة، والمهنيّ من جهة أخرى.
تتمظهر الآثار السّلبيّة لكثافة الدّروس المطلوبة للتّقويم في نتائج المتعلّمين من المستويات كافّة، لا سيّما أنّ التّعليم مؤطّر في موادّ تبلغ العشر في بعض الصّفوف الدّراسيّة، وهذا ما يشير إلى غياب التّوافق بين البرامج الدّراسيّة والواقع الاجتماعيّ، وقد يصادفنا في الصّفوف الثّانويّة متعلّمون تجبرهم الظّروف الاقتصاديّة لا سيّما بعد الأزمة الخانقة في لبنان إلى دخول سوق العمل وهم لا يزالون على مقاعدهم الدّراسيّة، وهو أمر لا يراعى، إذ يلحظ غياب تامّ لتقدير الظّروف الاجتماعيّة، ما يعني تقويمًا غير متكافىء، لأنّ التّقويم يصطدم في واقع الحال بالدّروس المتراكمة، والحشو الفائض عن الحدّ في كثير من الموادّ، وكأنّ الامتحانات باتت غاية لا وسيلة، وكأنّ الأمر يشبه سباقًا عوض أن يكون قياسًا للتّعلّم، إذ يهدم الكمّ التّعلّم الحقيقيّ، ناهيك عن تحوّله إلى أداة ضغط تفرغه من مضمونه البنائيّ.
في ضوء ذلك يبدو أنّ أكثر ما يشكّل عائقًا أمام المتعلّم هو خوضه تجربة الامتحان بقلق خوفًا من الفشل، فتضيع البوصلة الّتي من أجلها كان التعلّم، ألا وهي تعزيز حبّ العلم، وحثّ المتعلّم على الغوص في مكنونات بحوره الواسعة، وقد يتسبّب الأمر في أزمة ثقة يصعب الخلاص منها في زمن قصير، والأهمّ قصور الفهم بسبب التّركيز على الحفظ سعيًا إلى العلامة، أو من أجل الحصول على التّقدير المادّيّ، وهنا لا بدّ من التّركيز على أنّ معظم النّظريّات التّربويّة تناولت التّعليم على أنّه بناء معرفيّ متدرّج، ومن الضّروريّ قياس هذا المسار بعدالة واعتدال.
من هنا يأتي دور الأستاذ في تطويع المادّة، والعمل على بناء توازن حقيقيّ بين الواقع والمطلوب، وذلك من أجل ضمان تقويم تربويّ عادل يعتمد في أسسه على الفهم والتّحليل والتّوليف حسب سلّم بلوم، ولعلّ من المناسب أن لا يكون التّعلّم مقتصرًا على الحفظ الّذي سينتج عنه نسيانًا سريعًا بعد إنجاز الامتحان، لأنّ عمليّة التّقويم هي بالمجمل قياس للفهم وليست قياسًا للذّاكرة، وهذا يعني ضرورة الاهتمام بالنّوع على حساب الكمّ، ومن هذا المبدأ فإنّ الكثافة تهدم المعرفة وتعيق نمو مهارات التّفكير العليا عند المتعلّم، بل تجعل التّقويم محلّ تثبيط لا تحفيز، ووفاقًا لهذه الرّؤية نطرح تساؤلات تدور حول ماهيّة التّقويم وفائدته، فهل نضع التّقويم لننال العلامات أو لنبني المعارف والمهارات؟ وكيف يمكن تجاوز محنة الامتحان الّذي يولّد عند المتعلّم دافعيّة مؤقّتة مشروطة بالنّجاح؟
