في لبنان، لم تعد الأزمة خبرًا طارئًا، بل واقعًا يوميًا يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم: من محطة الوقود إلى السوبرماركت، ومن فاتورة المولد إلى قسط المدرسة. المواطن اللبناني الذي خسر الجزء الأكبر من قيمة راتبه منذ انهيار الليرة، يجد نفسه اليوم أمام قرارات مالية تزيد العبء بدل أن تخففه.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
حين ترتفع تعرفة البنزين مئات آلاف الليرات دفعة واحدة، لا يتأثر السائق وحده؛ ترتفع معها كلفة النقل، وأسعار السلع، وأجور الخدمات. وحين تُزاد ضريبة القيمة المضافة بنسبة إضافية، فهي لا تطال فئة محددة، بل تمسّ كل بيت، لأن معظم الاستهلاك اليومي خاضع لها. هكذا تتحول الضريبة إلى ضغط مباشر على القدرة الشرائية في بلدٍ تعاني فيه الرواتب من التآكل المستمر.
المشكلة في لبنان ليست رقمًا يُضاف على فاتورة، بل بنية اقتصادية هشّة: اعتماد كبير على الاستيراد، ضعف الإنتاج المحلي، بطالة مرتفعة بين الشباب، وقطاع عام مثقل بالعجز. في ظل غياب إصلاحات بنيوية حقيقية، تبدو زيادة الرسوم والضرائب وكأنها الخيار الأسهل لتمويل الدولة، لكنه الخيار الأثقل على الناس.
وإلى جانب العجز الاقتصادي، يشعر كثير من اللبنانيين أن الدولة عاجزة حتى أمنيًا عن حمايتهم وضمان استقرارهم، ما يعمّق الإحساس بالهشاشة وفقدان الأمان. فالدولة التي تُرهق مواطنيها ماليًا، ولا تستطيع في الوقت نفسه تأمين الطمأنينة لهم، تُضاعف من شعورهم بالخذلان.
الطبقة الوسطى اللبنانية، التي كانت يومًا صمام الأمان الاجتماعي، تتراجع سريعًا. كثير من العائلات باتت تعتمد على تحويلات الخارج، أو على أكثر من عمل لتأمين الحد الأدنى من العيش. ومع كل زيادة في الأسعار، تتقلص المسافة بين الاستقرار والفقر.
عندما يشعر المواطن أن الدولة تجبي أكثر مما تُصلح، وتتراجع عن دورها في الحماية والرعاية، تتآكل الثقة. والثقة هي رأس المال الأهم لأي نهوض اقتصادي. من دونها، لا استثمار، ولا استقرار، ولا أمل حقيقي بالتعافي.
لبنان لا يحتاج فقط إلى إجراءات مالية آنية، بل إلى رؤية إصلاحية شاملة: إدارة شفافة للمال العام، دعم حقيقي للإنتاج، عدالة ضريبية تراعي ذوي الدخل المحدود، وتعزيز مؤسسات الدولة لتكون قادرة اقتصاديًا وأمنيًا على حماية شعبها. لأن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض الرسوم، بل بقدرتها على صون كرامة مواطنيها وتأمين مستقبل أفضل لهم.
