ليست ضريبة بنزين… بل سياسة تجويع ممنهجة/ بقلم: آية يوسف المسلماني
ما يجري في لبنان اليوم ليس مجرد تعديل على سعر البنزين أو زيادة في الضرائب على الاستهلاك.
ما يجري هو سياسة كاملة لتحميل المواطن كلفة فشل الدولة في إدارة الاقتصاد، وتحويل الأزمة إلى أداة لإعادة إنتاج الظلم والغلاء بشكل ممنهج.
الدولة المفلسة قررت أن تموّل نفسها من جيوب الفقراء والمتوسطين، بينما تبقي أرباح الأغنياء وثرواتهم الكبيرة محمية، بعيدة عن أي اقتطاع حقيقي.
كل زيادة على البنزين لا تعني مجرد ارتفاع في الوقود، بل ارتفاع في كل شيء حولنا: أسعار النقل، الغذاء، المواد الأساسية، الخدمات، وحتى فاتورة التعليم والدواء.
كل رسم جديد، كل زيادة جمركية، وكل تعديل على الضرائب الاستهلاكية يصبح حجراً إضافياً على كاهل المواطنين الذين لم يعد لديهم ما يتحملونه.
السلطة تتحدث عن إصلاح مالي، عن تحسين الجباية، عن ملاحقة الشركات المتهرّبة، لكنها تتجاهل السؤال الأهم: لماذا يُسحب المال دائماً من جيوب من لا يستطيع الهروب؟
ولماذا لا يُطال الأغنياء وأصحاب الثروات الكبيرة الذين نجوا من الانهيار كما لو أن الأزمة لم تكن؟
العدالة الضريبية ليست صفائح بنزين تُوزّع هنا أو إلغاء زيادة هناك.
العدالة الضريبية هي إعادة رسم العقد الاجتماعي، بحيث تُموّل الدولة من حيث تتراكم القدرة على الدفع، لا من حيث الفقر المستمر والمعاناة اليومية.
حين تُصبح الضرائب غير المباشرة أكثر من ثلثي الإيرادات، ويظل العبء المباشر على الدخل والأرباح والملكية محدوداً، نفهم أن الأمر ليس خطأ تقنياً بل خياراً سياسياً صريحاً: الأسهل دائماً هو أن تُضرب الفئات الأضعف بالضرائب، وأن يُترك أصحاب الثروات الكبيرة في منطقة أمان محمية.
هكذا يتم استنزاف الطبقة الوسطى، ويزداد الضغط على من لا يملك إلا لقمة عيشه اليومية، بينما تتراكم الأرباح الاحتكارية بلا رقيب.
الدعوات للنزول إلى الشارع لم تأتِ من فراغ.
المواطن لم يعد يحتمل الغلاء المستمر، وارتفاع الأسعار الذي يلتهم راتبه قبل أن يصل إلى منتصف الشهر. الشعب يشعر بالظلم على نحو مباشر.
فكل قرار حكومي جديد يضاعف المعاناة، وكل وعود بالإصلاح تبقى مجرد كلام لا يترجم إلى حياة أفضل. إن استمرار هذا النهج يعني أن الغضب الشعبي ليس خياراً بل ضرورة.
الحكومة تدّعي أنها تعمل على كل الجبهات: جمارك، كسارات، شركات متهرّبة.
جيد، لكن النتائج الملموسة غائبة. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تُفرض الضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة قبل المواطن، وعندما تتوقف السياسات عن تحويل كل أزمة مالية إلى عبء على الفقراء والمتوسطين.
أي إصلاح مالي يمكن أن يُؤخذ على محمل الجد ما دامت الموازنة تُدار لحماية نفس الطبقات التي راكمت الأرباح قبل الانهيار ونجت بعده؟
ليست هذه أرقاماً على جداول، بل معركة على معنى العدالة نفسها.
كل زيادة على الطاقة أو الرسوم أو الضرائب الاستهلاكية تعني ارتفاع الأسعار في كل شيء، تضاؤل القدرة الشرائية، وتآكل الطبقة الوسطى.
المواطن لم يعد يتحمل، والمطلوب ليس الصبر بل دولة تعيد التوازن وتفرض العدالة، لا سلطة تزيد الضغط عليه لتصبح الإصلاحات مجرد وسيلة لتغذية الأغنياء على حساب كل اللبنانيين.
فلنعترف بصراحة: ما يُسمّى إصلاحاً مالياً ليس إلا سياسة ممنهجة لتكريس الغلاء، وتعميق الفوارق، وتحويل الانهيار الاقتصادي إلى فرصة لإغناء القلّة. الشعب يصرخ، والشارع يزداد حرارة، والحكومة عاجزة عن سماع الصوت الحقيقي للمواطنين.
هذه ليست أزمة قابلة للإصلاح بالتجميل، بل جريمة اقتصادية منظمة بحق الشعب.
المواطن لم يعد يحتمل، وكل دقيقة صمت تزيد من غضبه، وكل تأجيل للعدالة يزيد من انفجار الغضب الشعبي.
الحل ليس في زيادة الرسوم أو فرض ضرائب جديدة على المستهلكين، الحل في العدالة الضريبية الحقيقية، وفي دولة تعيد توزيع الأعباء على من يملك القدرة على الدفع، لا على من لا يملك شيئاً سوى صبره ومعاناته اليومية.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
