ليس ما صدر عن وزير الخارجية يوسف رجّي مجرّد زلّةٍ في التقدير الدبلوماسي، بل هو تصرّفٌ صبيانيٌّ متهوّر يفتقر إلى أبسط معايير الحكمة السياسية وإلى الحدّ الأدنى من الوعي بتاريخ لبنان وحساسيّة موقعه في هذه اللحظة المصيرية. فالدعوة إلى طرد السفير الإيراني ليست خطوة بروتوكولية، بل مغامرة سياسية خطيرة تفتح أبواب البلاد على توتّرٍ داخلي وخارجي لا طاقة للبنان على احتماله، وتضع العهد والحكومة في موقع من يدقّ بنفسه مسمارًا جديدًا في نعشهما.
إنّ من يقرأ التاريخ القريب لا يمكنه أن ينسى ما جرى عام 1982، يوم أقدم وزير الخارجية الراحل إيلي سالم في حكومة شفيق الوزّان، مع بدايات عهد أمين الجميل وفي ظل الاجتياح الإسرائيلي الثاني، على خطواتٍ سياسية ودبلوماسية ساهمت في إدخال لبنان في نفقٍ خطير من الانقسام والتبعية والارتهان. يومها كان الوطن ينزف تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية، فيما كان البعض يتصرّف بعقلية تسجيل النقاط السياسية ولو على حساب الكرامة الوطنية.
وفي تلك اللحظة العصيبة، وقف القائد الوطني المقاوم رئيس حركة أمل الأستاذ نبيه برّي حيث يجب أن يقف الرجال الذين يحملون همّ الوطن لا حسابات اللحظة والمآربةالشّخصيّة، فكان صوته أوّل الأصوات التي حذّرت من تحويل لبنان إلى منصّةٍ لإملاءات الخارج، ومن تحويل السياسة الخارجية إلى أداةٍ لتمزيق الداخل. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، بقي الرئيس برّي أمينًا لمدرسة الإمام القائد السيّد موسى الصدر، المدرسة التي ترى أنّ قوّة لبنان في وحدته، وأنّ سيادته لا تُحمى بالاستفزازات ولا بالارتهان، بل بالحكمة والكرامة الوطنية.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يتكرّر المشهد بصورةٍ تكاد تكون طبق الأصل: وزير خارجية يتصرّف بخفّةٍ سياسية لافتة، بل بفجاجة وغلاظة الميليشياوبين الانقساميين المنبطحين أمام المشروع الإسرائيلي، وقرارٌ متسرّع يهدّد بإشعال فتيل أزمةٍ دبلوماسية وسياسية في وقتٍ يقف فيه لبنان أصلًا على حافة الانهيار. لكنّ الفارق هذه المرّة أنّ صوت التحذير جاء سريعًا وحاسمًا من الرئيس نبيه برّي، الذي رفض بوضوح هذا التصرّف الصبياني، ودقّ ناقوس الخطر عاليًا محذّرًا من الانزلاق إلى سياساتٍ متهوّرة تعزل لبنان وتدفعه إلى قلب العاصفة الإقليمية.
إنّ موقف الرئيس برّي اليوم ليس تفصيلًا سياسيًا عابرًا، بل هو موقف وطنيٌّ مسؤول يضع الأمور في نصابها، ويذكّر الجميع بأنّ السياسة الخارجية للبنان ليست ملعبًا للمغامرات الشخصية ولا ساحةً لتصفية الحسابات. فلبنان ليس بلدًا فائض القوة كي يفتح على نفسه جبهاتٍ دبلوماسية عبثية، ولا وطنًا يمكن أن يتحمّل كلفة نزوات سياسية غير محسوبة.
ومن هنا، فإنّ ناقوس الخطر الذي قرعَه رئيس مجلس النواب لا ينبغي أن يمرّ مرور الكرام. فهو موجّه بوضوح إلى الرئاستين الأولى والثالثة، لأنّ مسؤولية الدولة لا تُختصر بوزيرٍ يتصرّف بعقليةٍ صبيانية، بل تقع على عاتق رأس الدولة ورئيس الحكومة اللذين يُفترض بهما ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى سياساتٍ تعرّض لبنان لمزيد من العزلة والانقسام.
إنّ مدرسة الإمام السيّد موسى الصدر التي علّمتنا أنّ لبنان وطن الرسالة، وأنّ السياسة فيه يجب أن تكون جسرًا للحوار لا أداةً للاستفزاز، ترفض هذا النهج رفضًا قاطعًا. فالوطن الذي صمد في وجه الاحتلال والحروب لا يجوز أن يُقاد اليوم بعقلية المغامرات الدبلوماسية، ولا أن يُترك رهينة قراراتٍ مرتجلة تضرب ما تبقّى من توازناته الدقيقة.
لبنان اليوم يقف على مفترق خطير، بين نهج الحكمة الذي يمثّله رجال الدولة الذين خبروا العواصف وأنقذوا الوطن من الانكسار، وبين نهج التهوّر الذي قد يدفع البلاد إلى مزيد من الانقسام والعزلة.
فهل تسمع الرئاستان صوت التحذير قبل فوات الأوان، أم أنّ البعض مصرٌّ على دقّ المسامير في نعش الدولة واحدًا تلو الآخر؟ وليعلم القاصي والداني أنّ من أجهض مشروع أسرلة لبنان في الماضي قادر اليوم على الوقوف سدًّا منيعًا باندفاعةٍ أشدّ وأقوى في وجه إعادة إحياء محاولاتهم لتبقى مجرّد أضغاث أحلام.
