الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران (2): المقاومة دخلت للدفاع عن لبنان/ د.محمد حسن خليفة
في حين كانت الأمور تتجه نحو استحالة أو صعوبة دخول المقاومة في الحرب ضد إيران، لاعتبارات داخلية حساسة تمنعها من ذلك، نتيجة حصار المقاومة بين فكي كماشة، فمن جهة يتحين العدو فرصة اقترافها خطأ التدخل للانقضاض عليها بقوة غير مسبوقة، تكون بمثابة الضربة القاضية لوجودها، تحت غطاء الانقسام الداخلي الذي تميل كفته نظرياً لصالح خصوم المقاومة، ما يبرر الخسائر الكبيرة التي ستوقعها إسرائيل، بعدما تكون الأهداف محددة مسبقاً، تمهيداً لاغتياله سياسياً في الداخل، بعد خطوات عديدة اتخذتها الحكومة، والتي شكلت حساسية مقلقة ومشبوهة في أوساط المقاومة، التي مارست انضباطاً مطلوباً لحماية ما تقوم به من إجراءات جوهرية لاستعادة زمام الأمور، على مستوى القيادة وأيضاً على صعيد القاعدة، وأمام هذا الخيار الصعب بعدم التدخل كون الظروف غير مؤاتية، تبرز وجهة أخرى، أو خيار آخر لدى قيادة المقاومة، يتمثل في استغلال الانشغال الأميركي والإسرائيلي في الحرب على إيران، واستباق العدو قبل تنفيذ مخططه التوسعي والعدواني بعد الانتهاء من القضاء على النظام الإيراني، أو خروجه منهكاً من حرب مدمرة ظهرت خطورتها في الضربات الأولى، التي وقعت في 28 شباط 2026، وهذا ما جعل المقاومة تبادر هذه المرة إلى الدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل، وعدم اقتصار التدخل على توجيه الرسائل على طريقة إسناد غزة، وهي تدرك أن مشاركتها في الحرب يتطلب استعدادات كبيرة، وتحمّل التداعيات الداخلية بعد موجات النزوح التي ستحصل مع إطلاق الصاروخ الأول إيذاناً بالحرب الكبرى، كما مواجهة العاصفة السياسية الداخلية، كون بعض القوى السياسية تنتظر هذه اللحظة غير المحسوبة من قبل المقاومة، وهي ستشكل مقتلاً لحضورها، والمسّ بالتفاهمات الاستراتيجية بين الثنائي الشيعي، عبر تسميم تلك البيئة بتحميل أحد طرفيه مسؤولية الحرب، وخسارة كل الإنجازات التي حققتها المقاومة، من حربي التسعينيات ضد العدو عامي 1993 و1996، مروراً بالتحرير عام 2000، وصولاً إلى الصمود في حربي عامي 2006 و2024، وهذا ما تجلى في قرارات الحكومة في اليوم التالي للتدخل، بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، واعتبارها خروجاً عن القانون، كما تبين أن هناك قوى وضعت خططاً داخلية للسير حتى النهاية لضرب المقاومة، تمهيداً لحظرها سياسياً، دون الأخذ في الاعتبار التداعيات الداخلية التي قد تنذر بحرب أهلية، مع خطورة القرارات الحكومية بإمكانية الاستعانة بالخارج لتطبيق قراراتها الشرعية، وما الحضور العسكري على الحدود اللبنانية – السورية، إلا تأكيداً على مخاوف الإنفلات الأمني في هذا المجال، بالإضافة إلى إمكانية إخضاع الوضع اللبناني للفصل السابع بقرارات يصدرها مجلس الأمن، في لحظة حرجة قد تعطل الفيتو الصيني أو الروسي لمنع صدورها.
كل تلك الحسابات المعقدة، يظهر أن المقاومة أخضعتها لدراسات معمقة ودقيقة، وهي واثقة من قدراتها، التي ستشكل مفاجأة صادمة للعدو وللداخل اللبناني، بحيث أن عملية الترميم التي قامت بها المقاومة جاءت مكثفة وسريعة، في ظل الغموض المدروس لمنع الاختراق الاستخباري للعدو، وحصل ذلك بعد اتفاق وقف إطلاق النار، الذي كان وقعه قاسياً عليها وعلى بيئتها، وأوجد شكوكاً وشرخاً داخلياً ترك اتهاماً للمقاومة ومن مثلها في التفاوض بالتفريط بصمود المقاومين على الجبهة الحدودية، ومنع تقدم العدو لاحتلال أجزاء واسعة من الجنوب، وهذا التفريط تجلى في الموافقة على اتفاق أعطى العدو حرية الحركة، وتعميق استهدافاته واحتلاله لخمس نقاط استراتيجية، لا ينوي مغادرتها، ويحصل ذلك تحت أنظار لجنة الميكانيزم المكلفة بمراقبة تنفيذ الاتفاق، كما لم ينفع توسيع تلك اللجنة في وقف الخروقات الإسرائيلية المتواصلة للاتفاق، بعد مشاركة شخصيات مدنية من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، بضغط أميركي ومن ضمن الاستدراج الإسرائيلي لفرض الشروط، بل أن تلك اللجنة أصبحت لزوم ما لا يلزم.
وما إن أطلقت المقاومة دفعة صغيرة من الصواريخ باتجاه بعض المواقع العسكرية الإسرائيلية، مع تأخير متعمد لصدور أي بيان يتبنى عملية الإطلاق، حتى ظهرت النوايا العدوانية بالقيام باستهداف واسع للعديد من المناطق الللبنانية، في إشارة واضحة لاستعدادها لتوسيع اعتداءاتها بشكل خطير، وبأهداف محددة وموجعة طالت أماكن مدنية، وأوقعت شهداء وجرحى، وأحدثت تدميراً هائلاً لا يتناسب مع حجم الصواريخ التي أطلقت، حتى أن تأخير المقاومة لاستئناف ضرباتها بعد الصلية الأولى، جاء ليفضح نوايا العدو في مخططاته التدميرية والتوسعية ضد لبنان، الذي كان ينتظر الضربة الأولى من المقاومة، وما التصديق السريع على الخطط الهجومية على لبنان، إلا تأكيداً على الخطة التدميرية المحضّرة مسبقاً، بحال بادرت المقاومة للهجوم واتخاذها ذريعة للتدمير الممنهج، أو قيام العدو بتنفيذ مخططاتها استباقاً على التهديد الذي يشكله حزب الله ضد إسرائيل، وكل ذلك أوضحته الأيام التي تلت الحرب، واعتماد جيش العدو لمفهوم الدفاع الهجومي، ما يشكل اعترافاً بالتحضير لتوسيع العدون، خصوصاً إذا فهمنا إمكانية فصل الجبهتين الإيرانية واللبنانية، بعكس صعوبة الفصل سابقاً بين جبهتي غزة ولبنان، كون تلك الجبهتين على تماس جغرافي مع العدو، وفي الحرب الدائرة يمكن لإسرائيل أن تتعاطى مع الجبهة الإيرانية عبر التفوق الجوي وتعميق الضربات ضد الأهداف الاستراتيجية في إيران، وفي نفس الوقت يمكنها على الجبهة اللبنانية أن توسّع علميتها البرية بعد حشد العديد من الفرق العسكرية لتنفيذ الخطة، عندها يمكن تحقيق أهداف مزدوجة على الجبهتين، كل ذلك بنظر العدو ممكناً، في ظل التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الأميركية في الحرب ضد إيران، وهذا التنسيق منذ بداية الحرب، يعطي أفضلية لتحقيق الأهداف، بعكس القلق الذي رافق قيام إسرائيل منفردة بالحرب على إيران في حزيران 2025، بالرغم من الدعم المباشر من قبل واشنطن، لكن هذه المرة يمكن لكثافة الضربات المشتركة أن يحسم الحرب ويسرّع إنجاز المهمة، كل ذلك يعيدنا إلى الأهمية الاستراتيجية والتكتيكية لمبادرة المقاومة بالهجوم، لتجنب الصدمة التي قد تتلقاها عندما يقرر العدو افتتاح الحرب، كما أن المبادرة بالهجوم قد تغير الواقع الذي فرضه العدو، بالاستباحة اليومية للبنان، ومواصلة تدمير القرى الحدودية، وبقائه في النقاط الاستراتيجية الخمس، والوصول إلى ردع العدو وفرض اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، يؤمن وقف الاعتداءات والانسحاب من النقاط المحتلة، وإعادة الأسرى وانطلاق إعادة الإعمار، وهذه أهداف في غاية الأهمية لحماية لبنان، ومواجهة مخططاته التوسعية، وعدم الخضوع للشروط الأمنية والسياسية التي لا يمكن للبنان تحملها، وأيضاً وضع خطوطاً حمراء في الداخل اللبناني، لا يمكن للحكومة اللبنانية تجاوزها، بذريعة ضعف المقاومة وعدم إمكانية مواجهة ترسانة العدو العسكرية، وامتلاك مفاتيح الضغط على لبنان بالقددرات التدميرية واستهداف البنى التحتية، وممارسة إجرامه ضد المدنيين، وتوسيع الشرخ بين اللبنانيين، خصوصاً في ظل موجات النزوح من مناطق الجنوب والضاحية والبقاع إلى مناطق أكثر أماناً.
بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، والدخول السريع للمقاومة في هذه الحرب، أصبح من الضروري الإجابة على السؤال الأساسي: لماذا بادرت المقاومة للدخول في تلك الحرب؟ مع الإشارة أن تعمد تأخير الإجابة على هذا السؤال، يتيح القراءة المتأنية لهذا القرار الاستراتيجي والخطير، بحيث تستوجب الإجابة والمناقشة إحاطة شاملة ومعمقة، بعدما تبين أن هذه الحرب هي حرباً وجودية للجميع، وتحديداً لإسرائيل والمقاومة، ولتثبيت الهيمنة الأميركية على العالم، بحيث أن نتائجها ستشكل محطة تاريخية يتوقف عليها مصير المنطقة وشعوبها.
لقد توضحت أهداف الحرب على إيران، لمنعها من امتلاك برنامجاً نووياً يمكن أن يتحول إلى قوة ردعية في لحظة مصيرية، تهدد وجود النظام في إيران، وما سيشكله هذا التهديد من تغيير وجه الشرق الأوسط، ليصبح تحت الهيمنة الإسرائيلية، والتحكم في شعوب المنطقة، وتطويع أنظمتها العاجزة عن حماية أمنها واستقرارها بقواها الوطنية، فتلجأ إلى القبول بالخضوع لإسرائيل، التي لن تقبل بالتخلي عن مشروعها التوسعي، وقيام إسرائيل الكبرى، بدعم مطلق وشامل من الولايات المتحدة الأميركية.
وهنا تنكشف أسباب دخول المقاومة في الحرب، واستباق العدو وخططه التوسعية، واستغلال تركيزه مع واشنطن على إيران كهدف مركزي، سيؤدي عند تحقيقه لإضعاف المقاومة بصورة تلقائية وانهيارها بدون خوض المعركة معها، وعندها يدخل لبنان بطريقة ناعمة إلى نادي الشرق الأوسط الجديد، بنسخته الجديدة، المختلفة كلياً عن رؤية شمعون بيريز، وتدشين مرحلة السلام بالقوة، ونواتها غزة وإيران ولبنان، ومعها اليمن والعراق وسوريا، والاستغناء عن الأمم المتحدة وأجهزتها الرئيسية، واستبدالها بمجلس سلام دولي بقيادة دونالد ترامب ومعاونة بنيامين نتياهو، أو قيام مجالس سلام دولية، تفصّل على قياس المنطقة الجغرافية التي لا حدود لها، كما لا حدود لإسرائيل، وحتى أميركا غدت تسعى للسيطرة على دول بأكملها أو جزر تختزن الموارد الطبيعية، طالما وصفة تغيير أي نظام جاهزة، واستبدال الرؤساء يصبح متاحاً، كلما شعرت واشنطن أو إسرائيل بالتهديد، ويحصل ذلك كله تحت أنظار الدول الأوروبية التي أصبح اتحادها أثراً بعد عين، ما يعطي مؤشراً خطيراً أن الحرب الروسية – الأوكرانية، ما هي إلا عينة لحروب كثيرة قادمة، وتغيير حدود دول وتوسيع حدود أخرى، في مرحلة انتقالية تختفي فيها نظريات وأسس العلاقات الدولية، والتأسيس لعالم بدون نظام دولي أو مؤسسات دولية تشكل مرجعية عالمية تمنع الحروب أو المقدرة على السيطرة عليها.
فما هي آفاق الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وكيف سيكون مسار الخروج منها، بحال وصلت واشنطن إلى قناعة بضرورة إعلان نهايتها والتوصل إلى تسوية، يمكن للرئيس الأميركي أن يستثمر نتائجها، بالرغم من إمكانية تعطيل تلك التسوية من قبل إسرائيل التي لديها أهداف إضافية من الحرب، وستحاول مواصلتها لإخضاع أو إنهاك إيران، وإرغامها على القبول بشروط قاسية لوقف الحرب، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال، هل سيكون هناك ترابط بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية، بحيث تكون التسوية شاملة لجميع الأطراف، في ظل التقديرات المتطرفة في الداخل اللبناني، بأن الترابط بين الجبهتين لن يكون أولوية بالنسبة لإيران، عندما يحين موعد وقف الحرب لإنقاذ نظامها، وترك الملف اللبناني لمرحلة لاحقة، مع أن هذه التقديرات منافية لمنطق الحرب هذه المرة، التي تفرض ترابطاً مقدساً بين الجبهتين، وأن إيران لن تقبل بأي شكل أن تتخلى عن المقاومة في لبنان، أو السماح باستفرادها، خصوصاً بعد دخولها للدفاع عن لبنان وأيضاً للوقوف إلى جانب إيران، وقد أثبتت الوقائع المفاجئة للجميع، بأن المقاومة استطاعت أن تخوض الحرب بقدرات كبيرة، وجهوزية وتحضيرات معقدة، وبتنسيق استراتيجي مع إيران، وتحديداً في الموجات الصاروخية التي استهدفت العمق الإسرائيلي والمناطق الشمالية، ما أربك العدو وجعله عاجزاً عن إدارة المعركة وفقاً لمخططاته، ما جعل الجبهتين على درجة عالية من التنسيق، وهذا يعني أن المصير سيكون مشتركاً، وأي محاولة لفك مسار المفاوضات بين لبنان وإيران سيشكل انتكاسة للعلاقة بين إيران والمقاومة، وهذا الأمر مستبعداً بشكل قاطع وحاسم.
كل تلك الأسئلة والهواجس حولها ستكون محور الحلقة الثالثة المقبلة من المقالة.
