في خضم الانقسام السياسي الحاد في لبنان، تصاعدت اتهامات خطيرة تطال كلًا من جوزيف عون ونواف سلام، تصل إلى حد الحديث عن “الخيانة العظمى”. لكن بعيدًا عن السجالات، يبرز سؤال أكثر جدية وجاذبية: هل نحن فعلًا أمام شبهة تستدعي التدقيق القانوني؟
هذا السؤال لا يجب التعامل معه بخفة، ولا رفضه تلقائيًا، ولا تبنّيه دون تمحيص. فاتهام بهذا الحجم لا يتعلق فقط بأشخاص، بل يمس جوهر الدولة نفسها.
الدستور اللبناني واضح في مبدأ المحاسبة، لكنه صارم في شروطها. فـ“الخيانة العظمى” ليست توصيفًا سياسيًا يُطلق في الإعلام، بل جريمة استثنائية تتطلب أدلة قاطعة على أفعال تمس سيادة الدولة أو تنطوي على تواطؤ مباشر مع عدو، كـإسرائيل. وهنا تحديدًا يصبح التدقيق ضرورة، لا خيارًا.
القرارات المرتبطة بسلاح حزب الله تشكّل محور الجدل. فهناك من يراها تفريطًا بعنصر قوة أساسي في مواجهة التهديدات الخارجية، بينما يعتبرها آخرون خطوة نحو إعادة بناء الدولة على أساس احتكارها للسلاح. بين هذين الرأيين، تضيع الحقيقة إن لم تُفحص بميزان القانون لا السياسة.
لذلك، بدل الانزلاق إلى أحكام مسبقة، تبرز الحاجة إلى طرح الأسئلة الصعبة:
هل وُجدت أفعال موثقة ترقى إلى مستوى الخيانة؟
هل هناك قرارات ألحقت ضررًا مباشرًا بسيادة لبنان؟
أم أن ما يجري هو صراع سياسي يُترجم باتهامات قصوى؟
الإجابة لا يمكن أن تكون انطباعية، بل تتطلب تحقيقًا شفافًا ضمن الأطر الدستورية. فمجلس النواب وحده يملك صلاحية الاتهام، والمحاكمة لها مسارها المحدد.
في النهاية، خطورة الموضوع لا تكمن فقط في احتمال وقوع الجرم، بل أيضًا في الاستخدام المفرط لتهمة الخيانة في الصراع السياسي. لذلك، يبقى الموقف الأكثر مسؤولية هو المطالبة بالتدقيق الجدي: لا تبرئة مسبقة، ولا إدانة مسبقة… بل حقيقة تُبنى على الأدلة.
