الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران (3): بين التصعيد المتهوّر والتسوية/ د.محمد حسن خليفة
لا شك بأن الوقائع ساعدت المقاومة على تبرير دخولها في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، لعدة أسباب، أهمها المخططات التوسعية التي كانت معلنة من قبل العدو، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجدت المقاومة نفسها من ضمن أهداف الحرب، فبادرت إلى خوضها، خصوصاً أن الضربة الأولى التي استهدفت المرشد أظهرت الهدف الأساسي لضرب النظام، كما أن اغتيال المرشد يعتبر عملاً عدوانياً على مكانته الدينية، والتي تشكل تجاوزاً خطيراً لكل الخطوط الحمراء، ويمكن للمقاومة مواجهة من يعتبرها تأتمر بإيران، وبأنها فرضت عليها الدخول في الحرب معها أو لإسنادها، بأنها لم تشارك في الحرب الإسرائيلية على إيران في حزيران عام 2025، وما تغير في هذه الحرب أن لبنان وقع في العين الإسرائيلية التوسعية، وهذا ما أكدته المعطيات لاحقاً، فكان لا بد من خوض الحرب الوجودية، لمنع الاستفراد بالمقاومة، ومواجهة الأخطار والأطماع الإسرائيلية التاريخية ضد لبنان وشعبه ومؤسساته ومستقبله ودوره.
اقتربت الحرب من نهاية أسبوعها الرابع، مخلفة تداعيات كبيرة على مصادر الطاقة، نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وإعاقة تدفق النفط والغاز، وتعريض الاقتصاد الدولي لتحديات خطيرة، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع النمو وزيادة معدلات التضخم، والجنوح نحو خفض الإنفاق الحكومي، عبر التركيز على موازنات الدفاع على حساب التقديمات الاجتماعية، واتخاذ إجراءات وقائية واسعة تخوفاً من إطالة أمد الحرب، وصعوبة الخروج من تأثيراتها، وبهدف تعويض خسائرها، كل ذلك يعطي صورة واضحة عن النتائج الكارثية للحرب الأميركية – الإسرائلية ضد إيران، بحيث أن إيران استطاعت أن تلحق أضراراً كبيرة في إسرائيل، في ظل الموجات الصاروخية التي لم تتوقف على مدار الساعة، كما أن إيران استطاعت أن تصيب القواعد الأميركية في الدول الخليجية، وكذلك استهدافها لمحطات ومواقع تختزن النفط والغاز، ما وسّع من دائرة الحرب، بهدف الضغط على واشنطن لوقف الحرب، التي تركت تداعياتها على الساحة اللبنانية بعد دخول المقاومة في تلك الحرب، ومفاجأة العدو بإطلاق موجات صاروخية مكثفة، طالت مدناً إسرائيلية بعيدة، بالإضافة إلى استهداف المستوطنات الشمالية والحشود العسكرية على الحدود، وفرض النزوح من تلك المستوطنات، وخوض مواجهات عنيفة مباشرة مع جنود جيش الاحتلال، أوقعت إصابات مباشرة لهؤلاء الجنود، وتدمير دبابات الميركافا، تلك المواجهات التي دارت على طول المناطق الحدودية، من الناقورة في القطاع الغربي إلى مارون الرأس وعيترون في القطاع الأوسط، وصولاً إلى المعارك القاسية التي شهدتها مدينة الخيام في القطاع الشرقي، بهدف منع قوات العدو من توسيع وجوده في الأراضي اللبنانية، والتفكير في الوصول إلى نهر الليطاني، أو السيطرة على مناطق استراتيجية في شماله، وتحديداً احتلال منطقة الشقيف التي تشكل قلعتها موقعاً مطلاً على مساحات واسعة من الجنوب، وهي القلعة التاريخية التي شكلت لعقود طويلة نقطة صراع استراتيجي في الصراع مع العدو الإسرائيلي.
الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران ولبنان، لا زالت مستمرة، وأهدافها لم تتحقق بعد، ونتائجها قد تكون صادمة على الصعيد العالمي، طالما لم يتم حسمها بالسرعة المطلوبة، ومنع تفاقم تداعياتها، وهي محطة مصيرية لإيران، التي تحاول الصمود في وجه أقوى الحملات الأميركية والإسرائيلية ضدها، والتي تميزت بالتدمير الهائل في منشآتها النووية والعسكرية والمدنية، واغتيال العديد من قياداتها، بهدف شلّ النظام من الضربة الأولى، التي أدت إلى اغتيال المرشد، ومع ذلك استطاعت إيران أن تتماسك وتعين مرشداً جديداً، وقامت بالرد السريع والمدروس في كل الاتجاهات، من أجل إطالة أمد الحرب التي ستنتزف واشنطن وإسرائيل، التي يعتبرها الكثيرون حرباً فرضتها إسرائيل على أميركا، بما يحقق تغيير التوازنات الإقليمية والدولية، وفرض قواعد جديدة لا مكان فيها للاعتراض أو للمقاومة.
وفي مرحلة حساسة من الحرب، أمهل الرئيس الأميركي إيران 48 ساعة لفتح مضيق هرمز، وبحال تمنعت عن ذلك ستواجه ضربات قاسية تستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، ما شكل تصعيداً كبيراً، وجاء ذلك بعد تلقي الكيان الإسرائيلي الضربات المتواصلة من قبل إيران والمقاومة اللبنانية، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، وصعوبة المخططات الأميركية لفتح المضيق، في ظل التردد الأوروبي، وتحديداً حلف شمال الأطلسي في الدخول العسكري للسيطرة على على المضيق والقيام بعمل عسكري على الساحل الإيراني، خوفاً من التداعيات الناتجة عن هذا العمل، وقيام إيران برد شامل يستهدف جميع منشآت النفط والغاز في دول الخليج، وتوسيع ضرباته الصاروخية ضد البنية التحتية للطاقة في إسرائيل، بعد نجاح وصول الصواريخ إلى مدينة ديمونا، المركز الاستراتيجي للمفاعل النووية الإٍسرائيلية، وهي رسالة بالغة التعقيد، استطاعت أن تستثمرها إيران في الحرب، وأن لديها القدرة على تخطي كل الخطوط الحمراء إذا ما شعرت بالتهديد الوجودي، كما أن أميركا على وجه التحديد تدرك التحضيرات العسكرية الإيرانية المتواصلة على مدى العقود الماضية، لحماية أمنها، وهي بالفعل استفادت من علاقاتها مع روسيا والصين ودول أخرى، في بناء منشآتها القادرة على الدفاع عن أراضيها، وهذا يشكل خشية بأن إيران قد تملك أسلحة قادرة على إنقاذها في لحظة مصيرية تهدد وجودها.
وفي تطور مفاجىء، وفي حين كان العالم يحبس أنفاسه على مشارف انتهاء المهلة التي أعطيت لإيران لفتح مضيق هرمز، خرج الرئيس الأميركي، ليصرّح بإعطاء توجيهاته لتأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، بعدما برزت مؤشرات إيجابية للتوصل لعقد اتفاق جيد مع إيران، وأن هناك محادثات جيدة مع الجانب الإيراني، في هذا المجال، ويعتبر هذا التصريح في غاية الأهمية، بالرغم من نفي إيران لحصول محادثات بين الجانبين، إلا أنه من المؤكد أن الرئيس الأميركي فتح نافذة واسعة للخروج من الحرب، والدخول في مفاوضات قريبة للاتفاق على النقاط الرئيسية التي تكون مقبولة للطرفين، مع أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار المطالب الإسرائيلية في تلك المفاوضات، وهل ستكون متوافقة مع الرؤية الأميركية للوصول إلى نتائج يمكن لواشنطن استثمارها لتأكيد هيمنتها على العالم، وأيضاً في الداخل الأميركي، وخصوصاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني 2026، والتي سيتم فيها التنافس بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على جميع مقاعد مجلس النواب الأميركي البالغ عددها 435 مقعداً، وعلى 35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ الأميركي لتحديد الكونغرس الأميركي، هذا في ما يتعلق بأميركا، أما ما يرتبط بالداخل الإسرائيلي فقد تكون الأمور مختلفة، وتحديداً المصير السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وهنا تكمن صعوبة المفاوضات لإنهاء الحرب، والخوف بتعثرها بسبب التباينات بشأنها من قبل واشنطن وإسرائيل، وبالرغم من ذلك، تبقى الكلمة الفصل للرئيس الأميركي، القادر على فرض أي تسوية على إسرائيل، وإقناعها بأن نتائج الحرب يمكن تجييرها لصالحها.
الحرب قائمة، بانتظار المفاوضات ومصيرها، بعدما أيقنت واشنطن أن ما حققته من حربها ضد إيران، هي أقسى ما يمكن تحقيقه، بحيث أن الضربات التي تلقلها النظام الإيراني، كانت مكلفة وموجعة، نتيجة التدمير الهائل الذي خلفته الاعتداءات الأميركية والإٍسرائيلية داخل إيران، وأن هناك استحالة في تغيير هذا النظام، بعدما أثبتت الوقائع مدى التماسك الداخلي، والقدرة التي جعلته يعيد تشكيل قياداته الجديدة، بعدما تعرضت معظمها للاغتيال، والطبيعة الجغرافية الإيرانية ساعدت في استمرار إطلاق الموجات الصاروخية، والتي تميزت بكثافتها ودقة أهدافها، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي لفرض سيطرتها على مضيق هرمز.
لقد أثبتت إيران قدرتها على إدارة الحرب، رغم الضربات التي هددت نظامها، وهذا ما سيتجلى في دخولها طاولة المفاوضات بمكاسب كبيرة، تجعلها تقبل بالشروط التي تناسبها، وتحقيق أقصى مطالبها، أو التخفيف من النقاط التي ستحاول واشنطن وإسرائيل فرضها، وذلك سيكون مرهوناً بما يحصل على أرض الواقع، وهي الفترة التي ستفصل بين استمرار الحرب وموعد المفاوضات، وهذا سيكون في غاية الأهمية لجميع الأطراف، ومحاولة كل منها تحقيق المزيد من المكاسب أو تقليل الخسائر، لتحسين الموقع التفاوضي، مع ضرورة الحذر الدائم من النوايا الأميركية والإسرائيلية لنسف فكرة المفاوضات من أساسها في أي لحظة يشعران فيها بالتفوق، والشعور بإمكانية مواصلة الحرب وتحقيق أفضل النتائج، وفرض الشروط المهينة في أي تسوية مع إيران والمقاومة في لبنان، وهذا الحذر يجب أن يترجم في استمرار الموجات الصاروخية المشتركة بين إيران والمقاومة من جهة، ومن جهة أخرى، مواصلة التصدي للعمليات البرية التي تحاول إسرائيل تسريعها لفرض واقع جديد، واحتلال مواقع جديدة داخل الأراضي اللبنانية، بهدف الضغط على الحكومة اللبنانية، التي سارعت إلى القبول بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، في خطوة غير مسبوقة وغير مقبولة من المقاومة، وما يعطل هكذا خطوة متسرعة الصمود في المعركة، ووقف التوغل البري، ومواصلة استهداف الداخل الإسرائيلي والمستوطنات الشمالية على الحدود بالصواريخ، وفرض نفسها كقوة رادعة أو قادرة على مواجهة الاعتداءات التي لن تتوقف للسيطرة على لبنان، كل ذلك يجعل الحذر مبرراً مما تقدم عليه أميركا وإسرائيل، واعتبار مهلة الخمسة أيام التي أعطاها الرئيس الأميركي مرحلة فاصلة، بين استمرار التصعيد أو القبول بالمفاوضات كمخرج أخير من الحرب.
فهل تقتنع واشنطن بأن قوتها العسكرية المدمرة قادرة على إلحاق الخسائر بالدول التي تخوض الحرب ضدها، لكن القوة وحدها لا تستطيع تغيير الأنظمة، خصوصاً تلك التي تتمتع بميزات جغرافية وازنة، وتستند إلى قومية متماسكة، بالإضافة إلى العقيدة الدينية التي تمكنها من الصمود والتصدي للعدوان، الهادف إلى تدمير مقدراتها وثرواتها وتقسيمها، وإضعاف وحدتها الوطنية، عبر استغلال الأزمات الاقتصادية التي تفاقمت في ظل العقوبات القاسية، والتي استمرت لسنوات طويلة، منعت إيران على وجه التحديد من تطوير قدراتها وثرواتها، وتلبية احتياجات شعبها، وصولاً إلى إحداث التنمية الشاملة، وإتاحة المجال لإقامة علاقات طبيعية مع جيرانها، وإنشاء تكتل اقتصادي يضمها مع دول الخليج العربية، ويمكن لليمن والعراق الانضمام إلى هذا التكتل، والمساهمة في التعاون مع التكتلات الاقتصادية الأخرى، لتأمين الازدهار للمنطقة الغنية بمواردها البشرية والطبيعية.
