بين التمديد والتأجيل: لماذا تطيل الولايات المتحدة وإيران أمد المفاوضات دون حسم؟!!/ بقلم : رنا وهبة
شهد مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة حالة من المراوحة المعقّدة، حيث تتكرر مشاهد التأجيل وتمديد المهل دون الوصول إلى اتفاق حاسم، في وقت لافت أن واشنطن نفسها هي من تبادر في كثير من الأحيان إلى طرح فكرة التمديد. هذا السلوك لا يمكن قراءته كتناقض بقدر ما يعكس طبيعة الصراع التفاوضي بين الطرفين، والذي تحكمه حسابات دقيقة تتجاوز الطاولة الدبلوماسية إلى موازين القوى الإقليمية والدولية.
فعلياً، تكمن العقدة الأساسية في الهوة الواسعة بين ما تطلبه طهران وما تعرضه واشنطن. إيران تسعى إلى رفع شامل وسريع للعقوبات التي أنهكت اقتصادها، وتعتبر أن أي اتفاق لا يحقق هذا الهدف بشكل واضح ومباشر هو اتفاق ناقص أو غير مضمون. في المقابل، تتعامل الولايات المتحدة بحذر شديد، مفضّلة مقاربة تدريجية تضمن من خلالها التزاماً إيرانياً طويل الأمد بالقيود النووية، وتتيح لها في الوقت نفسه الاحتفاظ بأوراق ضغط يمكن استخدامها لاحقاً. هذا التباين لا يترك مجالاً لاتفاق سريع، بل يدفع نحو تمديد المفاوضات كخيار أقل كلفة من الانهيار.
ومن هنا، يتحول عامل الوقت إلى أداة بحد ذاته. واشنطن، من خلال اقتراح التمديد، لا تمنح إيران فرصة مجانية، بل تسعى إلى إبقاء المفاوضات تحت السيطرة ومنع إعلان فشلها، لما لذلك من تداعيات سياسية وأمنية. كما أن استمرار العقوبات خلال فترة التمديد يحقق هدفاً أميركياً أساسياً يتمثل في إبقاء الضغط الاقتصادي قائماً على الداخل الإيراني، مع الرهان على أن هذا الضغط قد ينعكس مرونة أكبر في الموقف التفاوضي. في المقابل، لا تبدو طهران متضررة بالكامل من عامل الوقت، إذ تستفيد منه لتعزيز قدراتها النووية بشكل تدريجي، ولإظهار أنها قادرة على الصمود وعدم الرضوخ، ما يمنحها أوراق قوة إضافية في أي جولة لاحقة.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل مسار المفاوضات عن التعقيدات الداخلية لدى الطرفين. الإدارة الأميركية تدرك أن أي اتفاق مع إيران سيواجه انتقادات حادة في الداخل، سواء من الكونغرس أو من حلفاء تقليديين في المنطقة، الأمر الذي يفرض عليها التقدم بخطوات محسوبة وتجنب تقديم تنازلات قد تُفسَّر على أنها ضعف. أما في إيران، فالمشهد السياسي ليس موحداً، حيث تتباين مواقف التيارات بين من يدفع نحو اتفاق يخفف الضغوط الاقتصادية، ومن يرى في التشدد وسيلة لحماية السيادة وعدم تقديم تنازلات استراتيجية. هذا التوازن الداخلي الهش يجعل اتخاذ قرارات حاسمة أمراً معقداً، ويعزز منطق كسب الوقت بانتظار ظروف أفضل.
ولا تقف التعقيدات عند حدود الملف النووي، إذ باتت المفاوضات متشابكة مع ملفات أخرى أكثر حساسية، مثل برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لإيران في عدة ساحات. هذه القضايا، بطبيعتها، تتجاوز الإطار التقني إلى صلب التوازنات الجيوسياسية، ما يجعل التوصل إلى تفاهم بشأنها أكثر صعوبة، ويزيد من الحاجة إلى جولات طويلة من التفاوض ومحاولات بناء الثقة.
في ظل كل ذلك، يبرز عامل الخوف من التصعيد كعنصر ضاغط يدفع نحو التمديد. ففشل المفاوضات بشكل مفاجئ قد يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، من بينها تصعيد عسكري أو ضربات استباقية، إضافة إلى توترات قد تمتد إلى أكثر من ساحة في المنطقة. لذلك، يبدو أن خيار التمديد، رغم ما يحمله من بطء وإحباط، يظل بالنسبة للطرفين أقل كلفة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
بهذا المعنى، فإن اقتراح الولايات المتحدة لتمديد المهل لا يعكس تنازلاً بقدر ما يعبر عن استراتيجية إدارة للصراع، تقوم على إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض مع الحفاظ على أدوات الضغط. وفي المقابل، تتعامل إيران مع هذا الواقع ببراغماتية واضحة، مستفيدة من الوقت لتعزيز موقعها التفاوضي دون أن تغلق الباب أمام تسوية محتملة. وبين هذا وذاك، تبقى المفاوضات عالقة في منطقة رمادية، لا هي تتقدم نحو اتفاق نهائي، ولا هي تنهار بالكامل، في مشهد يعكس توازنات دقيقة قد تستمر لفترة غير قصيرة قبل أن تنضج شروط الحسم.
