لبنان بين منطق الدولة ومنطق الصراع: قراءة استراتيجية في زمن الحرب والانقسام/ د. لقمان أبوزيد
في خضمّ الحرب المستعرة على لبنان، تتقاطع مستويات متعددة من الأزمات: عسكرية، سياسية، قانونية، ووجودية. فالمشهد الراهن لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، ولا عن التصدعات الداخلية التي تعيد طرح السؤال الجوهري حول طبيعة الدولة اللبنانية ووظيفتها في زمن الصراعات المفتوحة. وفي هذا السياق، تتبدّى مفارقات عميقة تكشف عن اختلالٍ في توازن القرار الوطني، وتطرح إشكاليات استراتيجية تتجاوز اللحظة الراهنة إلى مستقبل الكيان ذاته.
أولاً: العدالة الدولية بين النص القانوني والواقع السياسي
في نوفمبر 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية برئاسة القاضي نواف سلام مذكرتي اعتقال بحق رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتنياهو” ووزير الأمن السابق “يوآف غالانت”، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت خلال العدوان على غزة. هذه الخطوة، وإن شكّلت تطوراً نوعياً في مسار المساءلة الدولية، إلا أنها كشفت، في الوقت نفسه، حدود النظام القانوني الدولي، الذي يبقى رهينة التوازنات السياسية الكبرى.
المفارقة الأبرز تكمن في أن القاضي اللبناني الذي ترأس محكمة العدل الدولية سابقاً، بات اليوم الرئيس الحالي للحكومة اللبنانية، منتهجاً مساراً براغماتياً يميل إلى خيار التفاوض المباشر، وصولاً إلى “السلام” مع الكيان الإسرائيلي المجرم. هذه الازدواجية بين منطق العدالة ومنطق السياسة تعكس مأزقاً بنيوياً في إدارة الصراع: هل يُدار وفق معايير القانون الدولي أم وفق موازين القوة؟
ثانياً: التفاوض أم فرض الوقائع؟ إشكالية المسار السياسي
يُطرح خيار التفاوض المباشر مع “إسرائيل” كأحد السيناريوهات المطروحة، لكن هذا الطرح يواجه إشكاليات جوهرية. فالتجربة التاريخية، من اتفاق 17 أيار 1983 إلى إسقاطه في 6 شباط 1984، تشير إلى أن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى توازن قوى داخلي وشعبي صلب، مصيره السقوط.
في المقابل، تُظهر الوقائع أن “إسرائيل” لا تحتاج إلى ذرائع لشنّ الحروب، بل تصنعها عند الحاجة. فالشرارة ليست سوى أداة تبرير، أما القرار فهو استراتيجي مسبق. وعليه، فإن الرهان على التهدئة أو الحياد دون امتلاك عناصر القوة قد يتحول إلى عامل ضعف بنيوي.
ثالثاً: بين الدولة والمقاومة – إشكالية الشرعية والوظيفة
من أبرز مظاهر الانقسام الداخلي الحالي ، الجدل حول شرعية أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة، واعتباره “خارجاً عن القانون”، كما ذهبت إليه الحكومة العتيدة. غير أنّ هذا الطرح يُغفل بُعدًا تاريخيًا جوهريًا؛ فمع تراجع دور الدولة في حماية الجنوب، برزت المقاومة كحاجةٍ وجودية لا خيارٍ سياسي. وقد عبّر السيد موسى الصدر عن هذه الحقيقة حين رفض أن يُترك أبناء الجنوب لمصيرهم في ظل غياب الدولة، فدعا إلى حمل السلاح دفاعًا عن الأرض، لا ابتغاءً للحرب، بل صونًا للكرامة ورفضًا للخضوع.
خلال 15 شهراً من الالتزام بوقف إطلاق النار (27 نوفمبر 2024)، التزمت المقاومة ببنوده، فيما تجاوزت الخروقات الإسرائيلية عشرة آلاف خرق، وأدّت إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى. هذا الواقع يطرح سؤالاً مركزياً: هل يمكن لدولة لا تملك القدرة على ردع الخروقات أن تملك قرار الحرب والسلم فعلياً – طبعاً بالاتجاه الإسرائيلي – الذي لم ولن يُعر الاهتمام يوماً لأي ميثاقٍ أو التزام دولي، بل علّوه في الأرض أخذ المجرم “نتنياهو” ليعتبر: “أن السيد المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان”، وللمفارقة التاريخية: “بأن اليهود -الإسرائيليين- كانوا المدبرين والمشاركين في صلب “يسوع”. كانوا هم من هتفوا قائلين: “اصلبه، اصلبه!” (لوقا 23: 21).
رابعاً: الجنوب بين الذاكرة والصمود
يشكّل الجنوب اللبناني، أو “جبل عامل”، نموذجاً فريداً في التاريخ المقاوم، حيث تراكمت خبرات الصمود منذ الاجتياحات الإسرائيلية حتى 25 أيار 2000، ومن حرب 2006 إلى حرب 2024، تكرّست معادلة “الثبات في الميدان” بالتوازي مع دور المقاومة السياسية التفاوضية بقيادة دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، الذي أعاد التأكيد اليوم على ثوابت أربع: الانسحاب الإسرائيلي، عودة الأهالي، إعادة الإعمار، وتفعيل آليات المراقبة الدولية “الميكانيزم”.
هذه المعادلة تعكس تكاملاً بين الميدان والسياسة، وتؤكد أن أي مسار تفاوضي لا يمكن فصله عن معطيات القوة على الأرض.
خامساً: الامتداد الإقليمي – سوريا والجولان نموذجاً
لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن السياق الإقليمي، وخصوصاً في سوريا، حيث دخلت إسرائيل إلى أراضٍ سورية ووسّعت احتلالها في ظل غياب ردّ فعّال شعبي، والصمت الدولي. كما أن الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان – كهدية من “ترامب” إلى “نتنياهو” – شكّل سابقة خطيرة في تقويض القانون الدولي.
هذا الواقع يعزز فرضية أن المنطقة تشهد إعادة رسم للخرائط وفق منطق القوة، وليس وفق الشرعية الدولية، ما يضع لبنان أمام تحديات وجودية تتجاوز حدوده الجغرافية.
سادساً: الدولة اللبنانية بين الغياب والتحدي
في ظل هذه التطورات، يبرز سؤال الدولة اللبنانية: أين هي من الاعتداءات المتكررة؟ ماذا كان ردّها على عمليات الإنزال العسكري في عمق الأراضي اللبنانية (النبي شيت)؟ وهل تملك أدوات سيادية فعلية أم أنها تكتفي بدور الرصد والتوثيق؟
إن غياب الردع الرسمي يفتح الباب أمام ملء الفراغ، ما يعمّق الانقسام الداخلي، ويضعف مناعة الدولة.
سابعاً: الوحدة الوطنية كخيار استراتيجي
في خضم هذا المشهد المعقّد، تبقى الوحدة الوطنية العامل الحاسم. فكما قال إمام الجنوب والمقاومة السيد موسى الصدر: “الوحدة الداخلية أفضل وجوه حرب مع إسرائيل”. هذه المقولة لا تعني التخلي عن المواجهة، بل تعني أن الانقسام الداخلي هو الخطر الأكبر، لأنه يضرب الأساس الذي تقوم عليه أي استراتيجية دفاعية؛ فالوحدة، الجبهة الداخلية وتماسك المجتمع، تشكّلان أقوى سلاح في مواجهة إسرائيل، إذ تمنعان استغلال الانقسامات وتعزّزان القدرة على الصمود والردع.
خاتمة: بين خيارين…
يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما الذهاب نحو تسويات قد تعيد إنتاج تجارب فاشلة، أو بناء مقاربة وطنية شاملة تقوم على التكامل بين الدولة والمجتمع والمقاومة، ضمن رؤية سيادية واضحة.
إن التاريخ اللبناني الحديث يثبت أن محاولات فرض “السلام الضعيف” تسقط أمام إرادة الصمود. والذين أسقطوا اتفاق 17 أيار لا يزالون حاضرين في الوعي الجماعي، ما يعني أن أي مسار لا يحظى بشرعية وطنية حقيقية، لن يُكتب له الاستمرار.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأعمق أن لبنان لا يُحمى بالرهانات الخارجية، بل بوحدته الداخلية، وبقدرته على تحويل أزماته إلى عناصر قوة.
وبين “جبل عامل… مقبرة الغزاة وفخر الرجال”، تتجدد معادلة الصراع:
“لا استقرار دون سيادة، ولا سيادة دون قوة، ولا قوة دون وحدة…”
