محمد غزالة | رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية (ZNN)
في الحروب التي يخوضها كيان الاحتلال، لا تُخاض المعركة بالرصاص والمدافع فحسب، بل تُدار “حرب وعي” موازية، سلاحها الأول هو “المعلومة”. فبينما تتوالى ضربات المقاومة في الميدان، يرتفع في المقابل جدارٌ سميك من الرقابة العسكرية الإسرائيلية، صُمم خصيصاً لإخفاء “الثقوب” في جسد الجيش المنهك.
عقيدة “الوعي” وحماية الجبهة الداخلية
تستند العقيدة العسكرية الإسرائيلية إلى ركيزة أساسية تُعرف بـ “مناعة الجبهة الداخلية“. بالنسبة للعدو، فإن الروح المعنوية للمستوطنين هي عصب الأمن القومي؛ لذا فإن إخفاء الخسائر البشرية والمادية ليس مجرد إجراء فني، بل هو ضرورة استراتيجية لمنع المقاومة من تحقيق “صورة النصر“. يدرك الاحتلال أن الاعتراف بحجم النزيف يعني انهيار ثقة المجتمع الصهيوني بجيشه، وتحول “الأسطورة” إلى واقع مهزوم.
“أمان”.. المهندس الخفي للرواية العسكرية
خلف كل خبرٍ يُنشر أو يُحجب، يقف قسم إدارة الرقابة العسكرية التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). هذا القسم لا يعمل فقط كجهاز رقابي، بل كمنتج للرواية العسكرية. يمارس “أمان” سلطة قانونية مطلقة تتيح له:
- التعتيم الكامل: حجب تفاصيل استهداف المواقع الاستراتيجية أو أعداد القتلى الحقيقية.
- التأخير المتعمد: “تقسيط” إعلانات القتلى لتخفيف الصدمة النفسية على المستوطنين.
- التحكم في الإعلام الأجنبي: إلزام المراسلين الدوليين ببروتوكولات الرقابة، مما يجعل الرواية الصادرة من “تل أبيب” هي الوحيدة المتاحة في الساعات الأولى لأي حدث أمني.
الجذور الاستعمارية: إرث بريطاني بامتياز
لم تكن الرقابة العسكرية الإسرائيلية وليدة الصدفة، بل هي امتداد لإرث استعماري قديم. تعود جذورها إلى العام 1948، حيث استنسخ الكيان الهياكل الرقابية التي وضعها الانتداب البريطاني قديماً لقمع المشاعر المعادية وحماية العمليات العسكرية. ومنذ ذلك الحين، تم دمج هذه القوانين القمعية في صلب مديرية الاستخبارات (أمان)، لتتحول من أداة “انتداب” إلى أداة “بقاء” لكيان يعيش على وهم القوة المطلقة.
صراع الحقيقة والميدان
رغم هذه الترسانة الرقابية، يواجه العدو اليوم تحدياً غير مسبوق؛ ففي زمن الإعلام الرقمي وتوثيق المقاومة لعملياتها بالصوت والصورة، بدأ جدار الإخفاء يتصدع. لم يعد بإمكان الرقيب العسكري حجب سحب الدخان المتصاعدة من المواقع المستهدفة، ولا إخفاء طوابير المروحيات التي تنقل الجرحى إلى المستشفيات.
الخلاصة:
إن سياسة التكتم الإسرائيلية هي اعترافٌ ضمني بهشاشة الجبهة الداخلية. فجيشٌ يخشى إعلان خسائره هو جيشٌ يدرك أن حقيقته أضعف بكثير من الصورة التي يحاول تسويقها. وكما يقول الميدان دائماً: “ما يُخفيه الرقيب، تكشفه توابيت الجنود الصامتة”.
