لم تنقطع أحلام رئيس حزب القوات اللبنانية يوماً بالوصول إلى قصر بعبدا، وهو حلم ظنه جعجع قاب قوسين أو أدنى أثناء حرب الإسناد وفق توقعاته لنتائج الحرب واغتيال قيادة المقاومة، واعتباره أن الفرصة صارت سانحة لاعتلائه سدة رئاسة الجمهورية في لبنان، إلا أن أحلامه تبخرت مع وصول العماد جوزف عون إلى موقع الرئاسة.
تظاهر رئيس القوات بقبوله بالأمر الواقع، لكنه بدأ العمل على تقويض سلطة العهد، ووضع العصي بالدواليب، محاولاً بأكثر من طريقة ووسيلة عرقلة انطلاق مسيرة العهد، تارة من خلال وزرائه وتارة من خلال دس المكائد على فخامة الرئيس عون، يعاونه موتورون ومتضررون من نجاح العهد، ولن تكون الأزمة التي افتعلها وزير خارجية القوات اللبنانية مع السفير الإيراني خلافاً لتوجيهات رئيس الجمهورية آخر المحاولات.
يُقدم قائد القوات اللبنانية نفسه الشخص المؤهل للقضاء على المقاومة، علماً أن صيته بالتخلص من مناوئيه على الساحة المسيحية والحروب التي خاضها في سبيل فرض سيطرته تشهد له، وبعدما أعلن سابقاً عن جهوزية خمسة عشرة ألف مقاتل للقيام بهذه المهمة، قدم أوراق اعتماده لدى كل من يحمل لواء الخلاص من المقاومة ومن يقف معها، سواءً العربية والأجنبية منها.
هذا على الصعيد الميداني، أما على الصعيد السياسي فيحاول جعجع إبراز قوته السياسية ليس بامتلاكه أكبر كتلة مسيحية في المجلس النيابي بل على مستوى الحضور السياسي على الساحة اللبنانية، لذلك يدعو في كل منعطف سياسي إلى عقد مؤتمر سياسي يريده جامعاً لكل الأطياف السياسية ” السيادية”! في لبنان، لكن في كل مرة يصاب جعجع بخيبة أمل، لكن مؤتمر معراب بنسخته الثالثة كان أشد وطأة على جعجع، فمن تقاسيم وجه سمير جعجع يمكن قراءة نتيجة هذا المؤتمر، اللقاء الذي أراده جعجع “وطنياً” ومبايعة له بالزعامة، تحول إلى لقاء لكتلة الجمهورية القوية، وغاب عنه رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل وهو رسالة واضحة من قبله برفض هذه المبايعة، ولا يكسر هذا الغياب وجود النائب سليم الصايغ ، كذلك يلاحظ غياب كل من النائب ميشال معوض والنائب نعمة افرام لنفس الأسباب خاصة، وغياب المكون السني الوازن عن المؤتمر والاستعاضة عنه بشخصيات من “المقاطيع” الذين لا وزن لهم على الساحة السنية، وغياب أي ممثل عن كتلة اللقاء الديمقراطي، وطبعاً فإن غياب التيار الوطني الحر وتيار المردة لا يحتاج إلى تحليل.
يراهن رئيس حزب القوات اللبنانية على تكرار تجربة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وإيصاله إلى سدة الرئاسة على ظهر الدبابة الإسرائيلية، وبالتالي فإن ما صدر عن هذا المؤتمر هو رسالة دعم للعدو الإسرائيلي الذي بدا عاجزاً عن تحقيق أهدافه العدوانية، وليس بعيداً عن حسابات رئيس القوات اللبنانية زعزعة الوضع الداخلي لتخفيف الضغط عن العدو الإسرائيلي، وذلك بالضغط على البيئة الشيعية النازحة ورفض وجودها في الكانتون القواتي، وملاقاة العدو الإسرائيلي بذلك من أجل إحداث شرخ بين المقاومة وبيئتها، بالإضافة إلى تهيئة الساحة لأحداث أمنية تربك المقاومة وتجعلها بين فكي كماشة العدو الإسرائيلي والعدو الداخلي، وهو ما انتبه له فخامة رئيس الجمهورية رافضاً الاقتتال الداخلي، والتشديد على القوى الأمنية بحفظ وضبط الأمن في الداخل، يلاقيه في هذا الموقف الحزب التقدمي الاشتراكي سواءً بتصريح السيد وليد جنبلاط أو رئيس الحزب النائب تيمور جنبلاط.
يقال أن ” الثالثة ثابتة” لكن بالنسبة للقوات اللبنانية ورئيسها سيحتاج الأمر إلى سنوات ضوئية لتحقيق الأحلام الوردية التي تدغدغ مخيلة رئيس القوات سمير جعجع.
