كتب حوراء غندور :
في الأوّل من نيسان، يتقن الجميع فنّ التنكّر…
لكنّ أخطر ما يُتَنكَّر له، ليس الوجوه، بل الحقوق.
في هذا اليوم، يتنكّر البعض لحقّ الجنوبيين في الدفاع عن أرضهم،
ويُعاد رسم الحقيقة كأنّ الضحية هي الجاني،
وكأنّ من يحمي بيته يُلام، لا من يهدمه.
وفي الوقت الذي تُتبادَل فيه النكات،
ينزف الجنوب مزيدًا من الشهداء الأبرياء…
ليس لأنهم اختاروا الحرب،
بل لأنهم لم يستطيعوا أن يستأجروا مأوى في أرضٍ غير الجنوب.
يموتون لأنهم بقوا.
لأنهم تمسّكوا بأرضٍ لم يتخلّوا عنها يومًا،
فيما تخلّى عنهم من كان يُفترض أن يكون سندهم.
في الأوّل من نيسان،
تحيّةٌ لأولئك الذين يخطّون بدمائهم أشرفَ الحقائق على وجه الأرض…
أولئك المقاومون،
الذين يستبسلون في الدفاع عن أرضهم،
فتعانق أجسادهم تراب الجنوب،
وتروي دماؤهم أشجار الزيتون، وشتلات التبغ والتنبك،
كأنّ الأرض تحفظ أسماءهم،
وتتنفّس حضورهم.
لعيونهم التي لم تنم،
لأرقهم، لأنفاسهم الثقيلة بين الخطر واليقين،
لخطواتهم التي لم تتراجع،
لتراب أحذيتهم الذي صار شاهدًا على الكرامة…
ألفُ تحيّةٍ وسلام.
كبرنا… ولم تعد كذبة الأوّل من نيسان تضحكنا.
كبرنا، فاكتشفنا أن هناك أكاذيب لا تُقال على سبيل المزاح، بل تُدار كسياسات، وتُمارس كخيانة صامتة.
في الجنوب، لا شيء يشبه المزاح.
هناك، الحقيقة ثقيلة كأسماء الشهداء، وصادقة كدمعة أمٍّ تنتظر على باب بيتٍ قد لا يعود كما كان.
الجنوب ليس جغرافيا.
ليس شريطًا حدوديًا يُذكر في نشرات الأخبار، ولا ملفًا يُفتح ويُغلق بحسب موازين السياسة.
الجنوب هو قلب لبنان حين يتعب الجميع،
وهو صوته حين يصمت الآخرون،
وهو كرامته حين تُساوَم الكرامات.
في عيون الجنوبيين، الجنوب قطعة من السماء.
ليس لأن السماء بعيدة… بل لأنهم تعلّموا أن ينظروا إليها كلما ضاقت الأرض.
لكن، في مكانٍ آخر…
في مكاتب باردة، خلف قرارات تُكتب بلا دم،
يُختصر الجنوب إلى “وضع أمني”،
إلى “تعقيدات”،
إلى “ظروف لا تسمح”.
هناك، يصبح التخلي قرارًا عقلانيًا،
ويتحوّل الصمت إلى حكمة،
ويُعاد تعريف الجبن على أنه توازن.
أي وطنٍ هذا الذي يُترك طرفه للنار،
ثم يُطلب من أهله أن يصبروا باسم الوطنية؟
أي دولةٍ هذه التي تتقن إدارة الغياب أكثر من حضورها؟
تحضر في الخطب،
وتغيب عند أول اختبار حقيقي للمعنى؟
الجنوب لم يطلب المستحيل.
لم يطلب امتيازات، ولا رفاهية، ولا معجزات.
طلب فقط أن لا يُترك.
أن لا يُساوَم عليه.
أن لا يُختصر إلى خبرٍ عاجلٍ يُستبدل بعد دقائق بخبرٍ آخر.
لكن الحقيقة المُرّة أن الجنوب، بالنسبة للبعض، ليس أكثر من مساحة قابلة للتخلّي.
بقعة يمكن إطفاء نورها مؤقتًا… ريثما تهدأ العاصفة.
وما لا يفهمونه—أو لا يريدون أن يفهموه—
أن الجنوب ليس ضوءًا يُطفأ،
بل جذورًا ضاربة في الأرض،
إن انكسرت… انكسر الوطن كلّه.
الجنوب لا يحتاج إلى شفقة.
ولا إلى بيانات تعزية مُعلّبة.
الجنوب يحتاج إلى موقف.
إلى دولة لا تخاف أن تكون دولة.
إلى قرار يقول: هذه الأرض لنا… بكل ما فيها، بكل ما تعنيه.
كبرنا، واكتشفنا أن كذبة الأوّل من نيسان لم تكن يومًا كذبة واحدة…
بل كانت تدريبًا طويلًا على تصديق ما لا يُصدق.
لكن الجنوب، رغم كل شيء، لا يزال يرفض أن يكون كذبة.
يبقى حقيقة صلبة،
حقيقة تُربك من اعتادوا الهروب،
وتُذكّرهم…
أن الأوطان لا تُدار بالخوف،
بل تُحمى بالشجاعة
