وسط التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، يبرز موقف الدول الأوروبية كعنصر مهم في خريطة التحالفات الدولية. في الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أظهرت كل من إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا تحفظاً واضحاً تجاه أي مشاركة مباشرة في العمليات العسكرية، من خلال رفض استخدام قواعدها العسكرية لأغراض محتملة ضد إيران.
إسبانيا أعلنت عدم السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها الجوية، مع اتخاذ إجراءات لمنع الطائرات المرتبطة بأي عملية مستقبلية من عبور أجوائها. وإيطاليا رفضت استخدام قاعدة سيغونيلا بصقلية لأسباب إجرائية وقانونية تتعلق بعدم التنسيق الكافي مع القيادة العسكرية، في حين أعلنت بريطانيا أيضاً تحفظها على المشاركة المباشرة، مؤكدة أهمية حماية الاستقرار الداخلي وتفادي أي تداعيات اجتماعية.
هذه المواقف الأوروبية لم تأتِ في فراغ، إذ تلعب العوامل الداخلية دوراً محورياً، خاصة في الدول التي تضم جاليات عربية كبيرة.
تجربة الولايات المتحدة مؤخراً، التي شهدت مظاهرات شعبية واسعة ضد التحركات الأميركية ضد إيران، تؤكد أن الرأي العام قادر على التأثير في سياسات الحكومات، وهو ما يفسر حذر أوروبا من الانجرار إلى تصعيد عسكري مباشر.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لتسليط الضوء على تباين المواقف الأوروبية، إذ أشار إلى أن فرنسا رفضت السماح لطائرات متجهة إلى إسرائيل بالتحليق فوق أراضيها، واصفاً موقفها بأنه غير متعاون على الإطلاق.
من جهة أخرى أقدمت إسرائيل على إجراءات احتجاجية ضد باريس، بما في ذلك وقف مشتريات الدفاع وتقليص نطاق الاتصالات، في ضوء ما اعتبرته موقفاً سياسياً معادياً.
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أيضاً لم تخف التوتر، إذ أشار إلى أن أوروبا أظهرت “ضعفاً ملحوظاً وكأنها تدفن رأسها في الرمال”، في إشارة إلى تحفظاتها تجاه المشاركة العسكرية المباشرة رغم التحالفات التاريخية مع واشنطن.
يبين هذا الواقع أن الدول الأوروبية توازن بين التزاماتها تجاه الحلفاء، وبين التحديات الداخلية والسياسية والاجتماعية، مما يضع حدوداً واضحة لمشاركتها في أي عمليات عسكرية مستقبلية.
فالتحفظ الأوروبي لا يعني عدم الالتزام بالتحالف، بل يعكس حرصاً على الدبلوماسية، والاستقرار الداخلي، وتجنب الانخراط في تصعيد قد يفاقم الأزمة في منطقة الشرق الأوسط الحساسة.
