كتب المهندس علي حيدر خليفة:
ليست المفاوضات مع إسرائيل حدثا سياسياً طارئا يمكن عزله عن سياقه بل هي امتداد عضوي لمسار تاريخيّ متراكم قامت فيه الحركة الصهيونية العالمية على مبدأ ثابت : توظيف السياسة كأداة مرحلية وتكريس الوقائع بالقوة كخيار نهائي ومن يظن أن الطاولة تنقذه من الميدان كمن يضع رأسه في فم الذئب ويطلب منه أن يتحول إلى راع …
منذ وعد بلفور لم يكن الوعد مجرد رسالة بل كان خنجرا مغروسا في خاصرة التاريخ : وعود تعطى لمن لا يملك على حساب من يملك ثم تتحول إلى حقائق تفرض بالنار والدم …
هذا النمط لم يتغير بل ازداد شراسة في النكبة …
لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية بل اقتلاع شعب من جذوره وكأن الأرض أُجبرت على نسيان أصحابها …
قرى أحرقت.. ذاكرة مسحت… وحقائق زرعت مكانها بالقوة … لتعرض لاحقا على طاولة التفاوض كأنها أمر واقع لا يمس …
ثم جاءت حرب 1967 حيث لم تكتف إسرائيل بتوسيع سيطرتها بل فرضت احتلالا تحول إلى نظام دائم تدار تفاصيله اليومية بالقهر وتسوّق نتائجه سياسيا على أنها نزاع قابل للحل وهنا تكمن الخدعة الكبرى :
تحويل الجريمة إلى ملف تفاوضي وتحويل الاحتلال إلى بند قابل للأخذ والرد …
وعندما وقّعت اتفاقيات أوسلو قدمت كأنها بوابة الخلاص لكنها في العمق كانت غرفة انتظار طويلة يستنزف فيها الزمن بينما تلتهم الأرض قطعة قطعة ….
لم تكن مرحلة انتقالية نحو السلام بل كانت غطاء سياسيا لمرحلة تمدد صامت حيث تبنى الوقائع بالإسمنت والجرافات فيما تكتب البيانات بالحبر البارد ….
ومن حرب لبنان 2006 إلى حرب غزة 2014 يتكرر المشهد بلا خجل :
نار تفتح بلا سقف.. تدمير ينفّذ بلا رادع … ثم عودة إلى الطاولة لا للتراجع بل لقطف نتائج ما فرض بالقوة ….
إنها ليست مفاوضات بل عملية إعادة تدوير للعدوان بلباس دبلوماسي …
في علم العلاقات الدولية الدول تقاس لا بما تقوله بل بما تفعله حين تتاح لها الفرصة …
وإذا كان هذا هو المعيار فإن السجل الإسرائيلي ليس مجرد تاريخٍ مثقلٍ بالتجاوزات بل دليل اتهام مفتوح :
اتفاقات توقع وتفرّغ …
قرارات دولية تهمش … والتزامات تؤجل حتى تموت بصمت …
المشكلة، إذا ليست في مبدأ التفاوض بل في وهم أن الطرف المقابل يدخل إليه بعقلية التسوية …
الحقيقة الأكثر قسوة أن التفاوض هنا يستخدم كسلاح بارد :
لا يقتل فورا لكنه ينهك .. يضلل ..ويمنح الوقت لمن يعرف كيف يحول كل دقيقة إلى مكسب على الأرض …
لذلك فإن أي قراءة واقعية لمسار المفاوضات اليوم يجب أن تبدأ من هناك :
من ذاكرةٍ لا تخدع ومن تاريخ لا يغفر بسهولة لأن من لا يرى النكبة في كل خريطة تطرح ومن لا يسمع صدى 1967 في كل بند أمني ومن لا يقرأ أوسلو في كل وعدٍ مؤجل إنما يسير مغمض العينين نحو الفخ ذاته …
وهنا الحقيقة العارية :
الطاولة ليست دائما مكانا للحلول ..
أحيانا تكون امتدادا لساحة المعركة لكن بدون دخان وبدون ضجيج وبدون فرصة للانسحاب …
ومن يدخلها بلا ذاكرة وبلا ميزان قوة لا يوقع اتفاقا بل يوقّع على نسخة جديدة من الخسارة مغلفة بلغة أنيقة لكنها لا تقل قسوة عن صوت الرصاص والقذائف والغارات …
