بعد كل عدوان إسرائيلي، لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل يتحوّل إلى سؤال هويةٍ ووجدان. شيءٌ ما ينكسر في الداخل، ويتبدّل تعريف الإنسان لنفسه، وكأنّ الجغرافيا تُعاد كتابتها داخل القلب. فجأة، لا يعود الانتماء إلى “لبنان” كافياً لوصف ما نشعر به، بل يصبح “الجنوب” هو الوطن، هو الهوية، هو الحكاية التي لا يفهمها سواه.
في الجنوب، لا تكون الأرض مجرّد مساحة، بل ذاكرة حيّة. كل حجرٍ يحمل أثراً، كل شجرةٍ تعرف أسماء الشهداء، وكل بيتٍ يحتفظ بصدى الغارات التي مرّت من فوقه. هناك، لا يحتاج الإنسان إلى شرح معاناته، لأن الجميع عاشها، أو ينتظرها. ولهذا، حين يُقال “أنا جنوبي”، فذلك ليس توصيفاً جغرافياً، بل إعلان انتماءٍ إلى تجربة قاسية ومشتركة.
أما لبنان، ذاك الذي يُفترض أن يكون المظلّة الجامعة، فيبدو أحياناً بعيداً، بارداً، غير معني. دولةٌ تتأخر، أو تغيب، أو تكتفي بالمواقف، فيما الجنوب ينزف وحده. في تلك اللحظات، يتعمّق الشعور بالانفصال: كيف أنتمي إلى وطنٍ لا يشبه وجعي؟ كيف أعرّف نفسي ضمن كيانٍ لا يشعر بما أشعر به؟
ليس في الأمر دعوة للانقسام، بل صرخة وجع. هو تعبير عن فجوةٍ تتّسع بين مركزٍ هامد وأطرافٍ مشتعلة. الجنوب لا يريد أن يكون وطناً بديلاً، بل يريد أن يكون جزءاً من وطنٍ يحتضنه، يحميه، ويشبهه. لكن حين يغيب هذا الاحتضان، يبحث الإنسان تلقائياً عن هويةٍ أقرب، أصدق، وأكثر وفاءً لتجربته.
أن تقول “أنا جنوبي قبل أن أكون لبنانياً”، فهذا لا يعني أنك تتخلّى عن لبنان، بل أنك تحاول أن تتمسّك بما تبقّى منك. أن تحمي نفسك من خذلانٍ متكرّر، ومن شعورٍ دائم بأنك في الخطّ الأمامي وحدك.
ربما المشكلة ليست في الجنوب، ولا في انتمائه، بل في لبنان الذي لم ينجح بعد في أن يكون وطناً متساوياً لجميع أبنائه. وطنٌ يشعر فيه الجنوبي بأن ألمه يُرى، وأن دمه ليس تفصيلاً عابراً.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الجنوب وطناً داخل وطن… وسيبقى الجنوبيون يعرّفون أنفسهم بما يشبههم، لا بما يُفترض أن يكون.
