مفاوضات تحت النار: بين مسار سياسي ناشئ وميدان يشتعل/ صابرين محمودي
في مشهدٍ يعكس تناقضات المرحلة، انطلقت في 14 نيسان 2026 أولى بوادر مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل، بالتوازي مع تصعيد ميداني غير مسبوق جنوباً، حيث لا تزال الغارات والاشتباكات ترسم واقعاً دموياً يتقدّم على أي أفق سياسي.
الاجتماع الثلاثي الذي استضافته وزارة الخارجية الأميركية شكّل محطة لافتة، كونه أول تواصل رفيع المستوى بين الحكومتين منذ عام 1993. مشاركة شخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة عكست جدّية الدفع الأميركي نحو فتح قناة تفاوض مباشرة، وسط حديث عن “إنجاز تاريخي” قد يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين الطرفين. البيان المشترك حمل في طياته رسائل واضحة، أبرزها دعم واشنطن لمفاوضات تتجاوز اتفاق 2024 نحو سلام شامل، مقابل تركيز على قضايا حساسة كاحتكار السلاح في لبنان وإنهاء النفوذ الإيراني.
في المقابل، بدا الموقف الإسرائيلي منسجماً مع هذا الطرح، إذ شدّد على ضرورة نزع سلاح الجماعات المسلحة، مع إبداء استعداد للانخراط في مفاوضات مباشرة تفضي إلى تسوية دائمة. أما لبنان، فحاول التمسك بثوابته، مركّزاً على السيادة ووحدة الأراضي، ومطالباً بوقف فوري لإطلاق النار ومعالجة الأزمة الإنسانية التي تتفاقم يوماً بعد يوم.
لكن، بعيداً عن طاولة المفاوضات، كان الجنوب اللبناني يعيش على وقع يومٍ دامٍ. مدينة صور وبلدة صريفا تعرضتا لسلسلة غارات عنيفة، تجاوزت في الأخيرة عشر ضربات جوية، في تصعيد هو الأكبر منذ أسابيع. مجزرة جباع، التي أودت بحياة أربعة شهداء من عائلة واحدة، شكّلت دليلاً إضافياً على حجم الكلفة الإنسانية، فيما ارتفعت حصيلة ضحايا أنصارية إلى خمسة شهداء وأربعة جرحى.
ولم تقتصر الضربات على الغارات الجوية، بل امتدت إلى قصف مدفعي واستهدافات دقيقة لمناطق حيوية، وسط اشتباكات عنيفة في الخيام بين المقاومة وجيش العدو الإسرائيلي. أما في بنت جبيل، فقد حملت التطورات طابعاً نوعياً مع استدراج مجموعة من الجنود الإسرائيليين إلى كمين داخل أحد المنازل وتفجيره، في عملية تعكس تصاعد العمليات الميدانية وتعقيد المشهد العسكري.
عمليات ميدانية متواصلة للمقاومة
في موازاة التصعيد الجوي الإسرائيلي، كثّفت المقاومة الإسلامية عملياتها العسكرية على طول الجبهة الجنوبية، في ردّ مباشر على خروقات وقف إطلاق النار واستمرار الاعتداءات على القرى اللبنانية.
فقد أعلنت المقاومة إصدار 35 بيانًا عسكريًا خلال يوم واحد، عكست وتيرة عمليات مرتفعة شملت التصدي لتحركات الجيش الإسرائيلي عند الحدود، واستهداف مواقع وقواعد وانتشار قواته، إلى جانب قصف مستوطنات في شمال فلسطين المحتلة.
وتنوّعت العمليات بين إسقاط طائرات مسيّرة من نوع “هرمز 450”، والتصدّي لطائرات حربية، وتنفيذ ضربات بصليات صاروخية مكثفة، إضافة إلى استخدام المسيّرات الانقضاضية لاستهداف ثكنات وبنى تحتية عسكرية. كما طالت العمليات تجمعات للجنود والآليات في أكثر من محور، بالتوازي مع قصف متزامن لعشرات المستوطنات، ما يعكس تصعيداً منظّماً واتساعاً في رقعة الاشتباك.
دولياً، تتقاطع هذه التطورات مع تصعيد أميركي تجاه إيران، حيث تحدثت تقارير عن فرض حصار بحري فعلي على موانئها، فيما جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتزيد من منسوب التوتر، متحدثاً عن اقتراب نهاية العمليات العسكرية ضد طهران، مع تلميح إلى “أيام مذهلة” قادمة.
مواقف رافضة تُصعّد الانقسام الداخلي
بالتوازي مع المسار التفاوضي، برزت مواقف لبنانية رافضة بقوة لأي انخراط مباشر مع إسرائيل، ما يعكس انقساماً داخلياً حاداً حول هذه الخطوة.
فقد اعتبر الحزب السوري القومي الاجتماعي أن المفاوضات “عار سيلطّخ جبين السلطة”، رافضاً أي حوار مع العدو في ظل استمرار المجازر، ومؤكداً أن خيار المقاومة وحده كفيل بحماية لبنان.
كما رأت “لجنة أصدقاء عميد الأسرى يحيى سكاف” أن ما جرى في واشنطن لا يتعدّى كونه “مسرحية أميركية”، لا تحمل أي تأثير فعلي في ظل استمرار الاحتلال ووجود أسرى لبنانيين، إلى جانب المجازر اليومية بحق المدنيين، مشددة على أن “العدو لا يفهم إلا بلغة القوة”.
سياسياً، عبّر النائب قاسم هاشم عن رفضه لما وصفه بـ“الصورة المستفزة” للقاء واشنطن، معتبراً أنها جاءت في توقيت دموي يشهده الجنوب، ومتهماً الوسيط الأميركي بمحاولة فرض وقائع سياسية على لبنان.
من جهتها، أكدت حركة أمل رفضها لأي شكل من أشكال التفاوض المباشر، مشددة على أن الأولوية هي لتطبيق كامل بنود وقف إطلاق النار المعلن في تشرين الثاني 2024، والذي لم تلتزم به إسرائيل. كما شدد رئيس الهيئة التنفيذية في الحركة مصطفى الفوعاني على أن “الوطن لا يُبنى إلا بالتضحيات”.
خلاصة
في ظل هذا التصعيد الميداني والانقسام الداخلي، يبدو أن لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع التحديات الداخلية، فيما يبقى العامل الحاسم هو ما ستؤول إليه التطورات الميدانية. فإما أن تفرض السياسة إيقاعها على الحرب، أو أن تبتلع الحرب أي فرصة للحل.
